قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) - الحسّون، محمد - الصفحة ١٠٤
ففعلنا فوضعنا فيها باقي الجثث واستثنى منها جثة واحدة، وأمر لنا أن نشق لها ضريحاً مما يلي الرأس الشريف، ففعلنا، فدفنّاها. ثم أقبلنا إليه لنعينه على جسد الحُسين (عليه السلام)، وإذا هو يقول لنا بخضوع وخشوع: "أنا أكفيكم أمره".
فقلنا له: يا أخا العرب كيف تكفينا أمره وكلّنا قد اجتهدنا على أن نحرّك عضواً من أعضائه فلم نقدر عليه.
فبكى بكاء شديداً فقال (عليه السلام): "معي من يعينني"، ثمَّ إنّه بسط كفيه تحت ظهره الشريف وقال: "بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله صلَّى الله عليه وآله، هذا ما وعدنا الله تعالى ورسوله وصدق الله ورسوله، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم".
ثمّ أنزله وحده ولم يشرك معه أحداً منّا، ثم وضع خدّه بنحره الشريف وهو يبكي فسمعناه يقول:
"طوبى لأرض تضمّنت جسدك الشريف، أما الدّنيا فبعدك مظلمة والآخرة فبنورك مشرقة. أمّا الحزن فسرمد، واللّيل فمسهّد، حتى يختار الله لي دارك التي أنت مقيم بها، فعليك مني السّلام يابن رسول الله ورحمة الله وبركاته".
ثم شرج عليه اللبن وأهال عليه التراب، ثم وضع كفّه على القبر وخطّه بأنامله وكتب: هذا قبر حسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشاناً غريباً.
ثم التفت إلينا وقال: "انظروا هل بقي أحد؟" قالوا: نعم يا أخا العرب، قد بقي بطل مطروح حول المسنّاة وحوله جثّتان، وكلّما حملنا جانباً منه سقط الآخر; لكثرة ضرب السّيوف والسّهام.
فقال: "امضوا بنا إليه"، فمضينا إليه، فلمّا رآه انكبّ عليه يقبّله ويبكي ويقول: "على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، فعليك منّي السّلام من شهيد محتسب ورحمة