تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٢٥٣
(وَلَا الْمُشْرِكِينَ) [١] مجرور في اللفظ بالنسق على من مرفوع المعنى بفعله كقوله عزوجل (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) [٢] (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي خبر كما نقول : ما أتاني من أحد من فيه ، وفي جوابها صلة ، وهي كثيرة في القرآن.
(وَاللهُ يَخْتَصُ) والاختصاص أوكد من الخصوص لأن الاختصاص لنفسك والخصوص لغيرك.
(بِرَحْمَتِهِ) بنبوّته. (مَنْ يَشاءُ) يخص بها محمّدا صلىاللهعليهوسلم.
(وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [أي ابتداء لعلى ... خبر علة أو المراد من الرحمة الإسلام والهداية [٣]] (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها) الآية وذلك إنّ المشركين قالوا : ألّا ترون إلى محمّد يأمر أصحابه بأمر لم ينهاهم عنه ، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولا ويرجع فيه غدا ، ما هذا القرآن إلّا كلام محمّد يقوله من تلقاء نفسه ، وهو كلام يناقض بعضه بعضا. فأنزل الله (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ) [٤] ، وأنزل أيضا (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) ثمّ بيّن وجه الحكمة في النّسخ بهذه الآية.
وأعلم إنّ النسخ في اللغة شيئان :
الوجه الأول : بمعنى التغيير والتحويل قال الفراء : يقال : مسخه الله قردا ونسخه قردا ، ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب فينقل ما فيه إليه قال الله تعالى (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [٥] : أي نأمر الملائكة بنسخها.
قال ابن عبّاس في هذه الآية : ألستم قوما عربا هل يكون نسخة إلّا من أصل كان قبل ذلك؟ وعلى هذا الوجه القرآن كلّه منسوخ ؛ لأنّه نسخ من اللوح المحفوظ فأنزل على النبيّ صلىاللهعليهوسلم.
روى عبد الوهاب بن عطاء عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس : أنزل الله تعالى القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ثمّ أنزله جبرائيل على محمّد آيا بعد آي ، وكان فيه ما قال المشركون وردّ عليهم.
والوجه الثاني : بمعنى رفع الشيء وإبطاله يقال : نسخت الشّمس الظل : أي ذهبت به وأبطلته [...] عنّى بقوله (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) وعلى هذا الوجه يكون بعض القرآن ناسخا ومنسوخا وهي ما تعرفه الأمّة من ناسخ القرآن ومنسوخه وهذا أيضا يتنوّع نوعين :
[١] في هامش المخطوطة : والمراد مشركو العرب كأبي سفيان.
[٢] سورة الأنعام : ٣٨.
[٣] عن هامش المخطوط.
[٤] سورة النحل : ١٠١.
[٥] سورة الجاثية : ٢٩.