تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ١٤٥
فصل في الإيمان
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) اعلم أنّ حقيقة الإيمان هي التصديق بالقلب ، لأن الخطاب الذي توجّه عليها بلفظ آمنوا إنّما هو بلسان العرب ، ولم يكن العرب يعرفون [١] الإيمان غير التصديق ، والنقل في اللغة لم يثبت فيه ، إذ لو صح النقل عن اللغة لروي عن ذلك ، كما روي في الصلاة التي أصلها الدعاء.
إذا كان الأمر كذلك وجب علينا أن نمتثل الأمر على ما يقتضيه لسانهم ، كقوله تعالى في قصة يعقوب عليهالسلام وبنيه (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا) [٢] : أي بمصدق لنا (وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) ، ويدل عليه من هذه الآية أنّه لما ذكر الإيمان علّقه بالغيب ، ليعلم أنّه تصديق الخبر فيما أخبر به من الغيب ، ثم أفرده بالذكر عن سائر الطاعات اللازمة للأبدان وفي الأموال فقال : (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) والدليل عليه أيضا أنّ الله تعالى حيث ما ذكر الإيمان [نسبه] [٣] إلى القلب فقال : (مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) [٤] ، وقال : (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) [٥] ، وقال : (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) [٦] ، ونحوها كثير.
فأما محل الإسلام من الإيمان فهو كمحل الشمس من الضوء : كل شمس ضوء ، وليس كل ضوء شمسا [٧] ، وكل مسك طيب ، وليس كل طيب مسكا ، كذلك كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا ، إذا لم يكن تصديقا ؛ لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع ، يدل عليه قوله تعالى : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) [٨] من خوف السيف ، وقول النبي صلىاللهعليهوسلم : «الإيمان سرا» [٩] [٦٣] وأشار إلى صدره «والإسلام علانية» [١٠] [٦٤] ، وقوله صلىاللهعليهوسلم : «يا معشر من أسلم بلسانه ، ولم يدخل الإيمان في قلبه» [١١] [٦٥].
وكذلك اختلف جوابه لجبرائيل في الإسلام والإيمان ، فأجاب في الإيمان بالتصديق ، وفي الإسلام بشرائع الإيمان ، وهو ما روى أبو بريده ، وهو يحيى بن معمر قال : أول من قال في القدر بالبصرة سعيد الجهني ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجّين أو معتمرين ، فقلنا : لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم فسألناه عما يقول هو : ما في القدر؟ فوافقنا عبد الله ابن عمر بن الخطاب داخلا المسجد ، فاكتنفته أنا وصاحبي ، أحدنا عن يمينه والآخر عن
[١] في المخطوط : يعرف.
[٢] سورة يوسف : ١٧.
[٣] زيادة اقتضاها السياق.
[٤] سورة المائدة : ٤١.
[٥] سورة النحل : ١٠٦.
[٦] سورة المجادلة : ٢٢.
[٧] في المخطوط : شمس.
[٨] سورة الحجرات : ١٤.
[٩] تفسير مجمع البيان : ١ / ٨٦.
[١٠] تفسير مجمع البيان : ١ / ٨٦.
[١١] كنز العمّال : ٣ / ٥٨٥ ، ح ٨٠٢١.