تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ١٤٩
(وَبِالْآخِرَةِ) أي بالدار الآخرة ، وسمّيت آخرة لأنّها تكون بعد الدّنيا ولأنّها أخّرت حتى تفنى الدنيا ثم تكون.
(هُمْ يُوقِنُونَ) يعلمون ويتيقّنون أنها كائنة ، ودخل (هُمْ) تأكيدا ، يسمّيه الكوفيون عمادا والبصريون فصلا.
(أُولئِكَ) أهل هذه الصفة ، وأولاء : اسم مبني على الكسر ، ولا واحد له من لفظه ، والكاف خطاب ، ومحل (أُولئِكَ) رفع بالابتداء وخبره في قوله : (عَلى هُدىً) رشد وبيان وصواب. (مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ) ابتدائان و (هُمُ) عماد (الْمُفْلِحُونَ) خبر الابتداء وهم الناجون الفائزون فازوا بالجنّة ونجوا من النار ، وقيل : هم الباقون في الثواب والنعيم المقيم.
وأصل الفلاح في اللغة : البقاء. قال لبيد :
|
نحلّ بلادا كلها حل قبلنا |
|
ونرجو فلاحا بعد عاد وحمير [١] |
وقال آخر :
|
لو كان حي مدرك الفلاح |
|
أدركه ملاعب الرماح |
|
أبو براء يدرة المسياح [٢] |
||
وقال مجاهد : أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين ، وآيتان بعدهما نزلت في الكافرين ، وثلاث عشرة آية بعدها نزلت في المنافقين.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) : يعني مشركي العرب ، وقال الضحّاك : نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته. وقال الكلبي : يعني اليهود ، وقيل : المنافقون.
والكفر : هو الجحود والإنكار.
وأصله من الكفر وهو التغطية والسّتر ، ومنه قيل للحراث : كافر ؛ لأنّه [يستر البذر] ، قال الله تعالى : (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ) [٣] : يعني الزرّاع ، وقيل للبحر : كافر ، ولليل : كافر. قال لبيد :
|
حتى إذا ألقت يدا في كافر |
|
وأجن عورات الثغور ظلامها [٤] |
|
في ليلة كفر النجوم غمامها [٥] |
||
[١] تفسير الطبري : ١ / ١٨٢.
[٢] تاج العروس : ٢ / ١٤٦ ؛ لسان العرب : ٢ / ٤٥٤ وفيه : (أبا براء مدرة السياح) ، والمسياح : من يسيح بالنميمة والشر في الأرض.
[٣] سورة الحديد : ٢٠.
[٤] لسان العرب : ٥ / ١٤٧.
[٥] جامع البيان للطبري : ١ / ١٦٢.