نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٢٦ - ٧٧ قطن بن معاوية الغلابي يستسلم للمنصور
و قال: من أنت؟ قلت: قطن بن معاوية.
قال: أنظر ما تقول؟ قلت: أنا هو.
فأقبل على مسودّة [١] معه، فقال: احتفظوا بهذا.
قال: فلما حرست، لحقتني ندامة، و تذكرت رأي أبي عمرو، فتأسّفت عليه.
و دخل الربيع، فلم يطل، حتى خرج بخصيّ، فأخذ بيدي، فأدخلني قصر الذهب، ثم أتى بيتا حصينا، فأدخلني فيه، ثم أغلق بابه و انطلق.
فاشتدت ندامتي، و أيقنت بالبلاء، و خلوت بنفسي ألومها.
فلما كانت الظهر، أتاني الخصيّ بماء، فتوضّأت و صلّيت، و أتاني بطعام، فأخبرته بأنّي صائم.
فلما كانت المغرب، أتاني بماء، فتوضأت و صلّيت، و أرخى عليّ الليل سدوله، فيئست من الحياة.
و سمعت أبواب المدينة تغلق، و أقفالها تشدد، فامتنع عنّي النوم.
فلما ذهب صدر الليل، أتاني الخصيّ، ففتح عنّي، و مضى بي، فأدخلني صحن دار، ثم أدناني من ستر مسدول، فخرج علينا خادم، فأدخلنا، فإذا أبو جعفر وحده، و الربيع قائم في ناحية.
فأكبّ أبو جعفر هنيهة مطرقا، ثم رفع رأسه، فقال: هيه.
قلت: يا أمير المؤمنين، قد و اللّه جهدت عليك جهدي، فعصيت أمرك، و واليت عدوّك، و حرصت على أن أسلبك ملكك، فإن عفوت فأنت أهل
[١] المسودة: الجنود العباسيون، و كانوا يلبسون السواد شعار الدولة.