نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٨٦ - ٥١ محاكمة الحلاج و تنفيذ حكم الاعدام فيه
إلى دار العامة، و جلسنا في رواقها، و حضر هارون بن عمران الجهبذ [١] ، فجلس بين يدي أبي، و لم يحادثه، فهو في ذاك، إذ جاء غلام حامد الذي كان موكلا بالحلاّج، و أومأ إلى هارون بن عمران أن يخرج إليه، فنهض عن المجلس مسرعا، و نحن لا ندري ما السبب.
فغاب عنّا قليلا، ثم عاد و هو متغيّر اللون جدا. فأنكر أبي ما رآه منه، و سأله عنه.
فقال: دعاني الغلام الموكل بالحلاّج، فخرجت إليه، فأعلمني أنّه دخل إليه، و معه الطبق الذي رسم أن يقدمه إليه في كل يوم، فوجده ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، و ملأ جوانبه، فهاله ما رأى من ذلك، و رمى الطبق من يده، و خرج من البيت مسرعا، و أن الغلام ارتعد، و انتفض، و حمّ، و بقي هارون يتعجّب من ذلك.
و بلغ حامدا عن بعض أصحاب الحلاّج، إنّه ذكر أنّه دخل إليه، إلى الموضع الذي هو فيه، و خاطبه بما أراده، فأنكر ذلك كلّ الإنكار، و تقدّم بمساءلة الحجاب و البوابين عنه، و قد كان رسم أن لا يدخل إليه أحد، و ضرب بعض البوابين، فحلفوا بالإيمان المغلظة، أنهم ما أدخلوا أحدا من أصحاب الحلاّج إليه، و لا اجتاز بهم، و تقدّم بافتقاد السطوح، و جوانب الحيطان، فافتقدوا ذلك أجمع، و لم يوجد له أثر و لا خلل.
فسئل الحلاّج، عن دخول من دخل إليه، فقال: من القدرة نزل، و من الموضع الذي وصل إليّ منه خرج.
[١] هارون بن عمران الجهبذ: كان جهبذ الدولة، و كان يقرض بيت المال بفائدة عشرين بالمائة (راجع القصة ٨/١٢ من النشوار) ، و أخبار هارون بن عمران في كتاب الوزراء للصابي ٣٨ و ٩٠-٩٣ و ١٤٠ و ١٧٧.