نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٥٧ - ١٧٦ الأشتر و جيداء
فلما طال على الأشتر البلاء و الهجر، جاءني ذات يوم، فقال: يا نمير هل فيك خير؟ قلت: عندي كل ما أحببت.
قال: أسعدني على زيارة جيداء، فقد ذهب الشوق إليها بروحي، و تنغصت عليّ حياتي.
قلت: بالحب و الكرامة، فانهض إذا شئت.
فركب، و ركبت معه، و سرنا يومنا و ليلتنا، حتى إذا كان قريبا من مغرب الشمس، نظرنا إلى منازلهم، و دخلنا شعبا خفيّا، فأنخنا راحلتينا وجلين.
فجلس هو عند الراحلتين، و قال: يا نمير، اذهب، بأبي أنت و أمي، فادخل الحيّ، و اذكر لمن لقيك أنّك طالب ضالّة، و لا تعرّض بذكري بشفة و لا لسان، فإن لقيت جاريتها فلانة الراعية، فاقرئها مني السلام، و سلها عن الخبر، و أعلمها بمكاني.
فخرجت، لا أعذر [١] في أمري، حتى لقيت الجارية، فأبلغتها الرسالة، و أعلمتها بمكانه، و سألتها عن الخبر.
فقالت: بلى و اللّه، مشدّد عليها، متحفّظ منها، و على ذلك، فموعدكما الليلة، عند تلك الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت.
فانصرفت إلى صاحبي، فأخبرته الخبر، ثم نهضنا نقود راحلتينا، حتى جاء الموعد.
فلم نلبث إلاّ قليلا، و إذا جيداء قد جاءت تمشي حتى دنت منّا، فوثب إليها الأشتر، فصافحها، و سلّم عليها، و قمت مولّيا عنهما.
[١] أعذر الرجل: أبدى عذرا.