نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٥٩ - ١٧٦ الأشتر و جيداء
فقال: إن هذا طماح [١] مفرط، و ضرب بيده إلى مقدّم البيت، فاستخرج سوطا مفتولا، كمتن الثعبان المطوّق، ثم دخل عليّ، فهتك الستر عنّي، و قبض على شعري، و أتبع ذلك السوط متني، فضربني تمام ثلاثين، ثم جاءت أمّه و إخوته، و أخت له، فانتزعوني من يده، و لا و اللّه، ما أقلع، حتى زايلتني روحي، و هممت أن أوجره السكين، و إن كان فيه الموت.
فلما خرجوا عنّي، و هو معهم، شددت ستري، و قعدت كما كنت.
فلم ألبث إلاّ قليلا، حتى دخلت أم جيداء عليّ تكلّمني، و هي تحسبني ابنتها، فاتّقيتها بالسكات [٢] و البكى [٣] ، و تغطّيت بثوبي دونها.
فقالت: يا بنيّة، اتّقي اللّه ربك، و لا تعرضي لمكروه زوجك، فذاك أولى بك، فأما الأشتر، فلا أشتر لك آخر الدهر.
ثم خرجت من عندي، و قالت: سأرسل إليك أختك تؤنسك، و تبيت الليلة عندك.
فلبثت غير ما كثير، فإذا الجارية قد جاءت، فجعلت تبكي، و تدعو على من ضربني، و جعلت لا أكلمها، ثم اضطجعت إلى جانبي.
فلما استمكنت منها، شددت بيدي على فيها، و قلت: يا هذه تلك أختك مع الأشتر، و قد قطع ظهري الليلة بسببها، و أنت أولى بالستر عليها، فاختاري لنفسك و لها، فو اللّه لئن تكلمت بكلمة، لأضجنّ بجهدي، حتى تكون الفضيحة شاملة.
ثم رفعت يدي عنها، فاهتزّت الجارية كما تهتز القصبة من الروع، ثم بات معي منها أملح رفيق رافقته، و أعفّه، و أحسنه حديثا، فلم تزل تتحدّث،
[١] الطماح: النشوز و الجماح.
[٢] السكات: داء يمنع من الكلام.
[٣] البكى و البكاء واحد، و هو سيلان الدمع من الحزن.