الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤ - ٤- درجات التوكل
ويقول في حديث آخر: «اقْوَى النَّاسُ ايمَاناً اكْثَرُهُمْ تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ» [١].
وقد ورد في الحديث الشريف عن الأصبغ ابن نباتة عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام في ما يقرأه الإنسان في سجوده يقول: «وَاتَوَكَّلُ عَلَيْكَ تَوَكُّلَ مَنْ يَعْلَمُ انَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ» [٢].
وممّا يجدر ذكره أنّ الأشخاص الّذين يعيشون الخوف والجبن ليسوا من أهل التوكل، لأن التوكل على اللَّه يُزيل من روح الإنسان ونفسه ظلمة الخوف والجبن ويمنحه الشجاعة والشهامة في التصدي لمعالجة الظروف الصعبة.
عندما نتأمل جيداً في هذه المسألة يتضح لنا دور اليقين والإيمان بصورة أكبر في منح الإنسان عنصر التوكل وتطهير نفسه من شوائب الخوف والجبن، لأنّه كلّما كان إيمان الفرد أقوى وأشد ابتعد عنه الخوف والجبن مسافات أكبر.
ولا ينبغي إهمال هذه الملاحظة، وهي أنّ مطالعة معطيات التوكل والتدبر في آثاره الإيجابية وقراءة حالات المتوكلين على اللَّه وتاريخ حياتهم بإمكانه أن يورث الإنسان روح التوكل على اللَّه ويقوي في وجوده وقلبه هذه الشجرة الطيبة المثمرة.
٤- درجات التوكل
رأينا ممّا تقدّم من البحوث السابقة السبب الّذي يدفع بعض الناس لأن يعيشوا التوكل في مرتبته الشديدة والبعض الآخر في مرتبة أدنى، حيث تبين لنا أنّ التوكل هو وليد الإيمان، وكلّما اشتد إيمان الفرد باللَّه تعالى وصفاته واسمائه الحسنى فإنّ ذلك من شأنه أن يزيد من نسبة توكله بهذا المقدار، فالتوكل الّذي كان يعيشه إبراهيم كان وليد إيمانه الراسخ، وكذلك التوكل العجيب لأميرالمؤمنين عليه السلام الّذي تجلّى في (ليلة المبيت) (الليلة الّتي نام فيها أميرالمؤمنين عليه السلام في فراش النبي صلى الله عليه و آله وهاجر فيها النبي إلى المدينة). كذلك وليد إيمانه القوي والراسخ، وهذ الحالات من التوكل نجدها لدى المؤمنين في مراتب متوسطة أو أقل
[١]. غرر الحكم، ح ٣١٥٠.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٨٣، ص ٢٢٧.