الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٠ - مصير البخلاء
تفسير واستنتاج:
مصير البخلاء
«الآيات الاولى» من الآيات محل البحث تستعرض حادثة مهمة من الحوادث الّتي جرت على بني إسرائيل، فكانت عبرة لمن اعتبر ذلك أنّ أحد أثرياء بني إسرائيل وبسبب البخل والتكبّر والغرور، ابتلي بمصيرٍ عجيب وموحش.
لقد كان «قارون» من أقرباء النبي موسى عليه السلام ومن الوجوه والشخصيات الثرية المعروفة لبني إسرائيل، وحسب الظاهر كان من أوّل المؤمنين بموسى عليه السلام أيضاً وكان مطلعاً وعارفاً بالتوراة، ولكنه كان كمثل الكثير من الأثرياء انانياً ومحبّاً للدنيا وبعيداً عن اللَّه، وكان يحبّ بشكل عجيب اظهار مالديه من الثروة أمام فقراء بني إسرائيل، وكان في كلّ مرّة يظهر عليهم بزينته وثروته الهائلة يخفق قلوب أصحاب الدنيا وأهل الطمع من بني إسرائيل حتّى وصل بهم الأمر إلى أن يكون أملهم الوحيد أن يكونوا مثل قارون من حيث الثراء وكثرة المال.
يقول القرآن المجيد في هذه الآيات «إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ» [١].
لقد كان ظلمه وبغيه على قومه بسبب «البخل» الشديد حيث لم يكن راغباً في بذل شيءٍ منها، وفي نفس الوقت كان يخرج على الناس والفقراء بزينته وثراءه الفاحش ويجد بذلك لذّة في نفسه، والأمر الآخر أيضاً الّذي زاد من بغيه هو مخالفته الشديدة للنبي موسى عليه السلام وتعامله مع الفراعنة وخاصّةً عندما طلب منه موسى عليه السلام اداء الزكاة.
وأساساً أنّ الأثرياء وأصحاب الدنيا لديهم علاقة شديدة في تقوية نفوذهم وقدرتهم في المجتمع، وهذه العلاقة تارةً تكون بدافع من حبّ التكاثر، واخرى بسبب الخوف من القدرات السياسية والاجتماعية الاخرى لكي لا يلحق بثروتهم الضرر من قبل هذه القدرات وقوى السيطرة والسلطة، ولهذا السبب كانوا يقفون من الأنبياء ودعوتهم السماوية الّتي كانت تستوعب الناس وتظلهم تحت خيمة الحكومة الإلهية، كانوا يقفون منها موقف العناد والرفض.
[١]. سورة القصص، الآية ٧٦.