الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٥ - ٤- درجات التوكل
من ذلك بنسبة إيمانهم باللَّه تعالى.
وقد سأل شخص الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عن مفهوم هذه الآية: «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ»
فقال له الإمام عليه السلام: «لِلتّوَكُّلِ دَرَجَاتٌ» ثمّ أضاف: «مِنْهَا انْ تَثِقَ بِهِ فِي امْرِكَ كُلِّهِ فِي مَا فَعَلَ بِكَ فَمَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ رَاضِياً وَتَعْلَمَ انَّهُ لَمْ يَأْلُكَ خَيْراً وَنَظَراً، وَتَعْلَمَ انَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ لَهُ، فَتَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ بِتَفْويِضِ ذَلِكَ الِيْهِ» [١].
وقد ذكر بعض علماء الأخلاق للتوكل ثلاث مراتب:
الاولى: أن يعيش الإنسان الاعتماد والاطمئنان والثقة باللَّه تعالى كما يطمئن الإنسان ويثق بوكيله عندما يجده لائقاً ومخلصاً فيفوض اموره إليه (دون أن يفقد اصالته واستقلاله بهذا الاعتماد والثقة) وهذه هي أضعف مراتب التوكل.
الثانية: أن يكون حاله في اعتماده على اللَّه وثقته بنفسه كحال الطفل بالنسبة لُامّه، فالطفل في بداية الأمر لا يرى شيئاً سوى امّه ولا يعتمد على غيرها إطلاقاً، فما أن يراها حتّى يتعلق بها، وعندما يجد نفسه لوحده فإنه بمجرد أن يصيبه شيء أو حادثة فإنه يطلب امّه فوراً ويبكي أيضاً في طلبها.
ولاشكّ أنّ هذه المرتبة من التوكل أعلى من السابقة، لأن الإنسان في هذه الحالة يجد نفسه غارقاً في تجليات الحقّ ولا يرى أحداً غيره ولا يطلب من أيّ أحد حلّ مشكلاته إلّا من اللَّه تعالى.
المرتبة الثالثة: وهي بدورها أعلى من المرتبة الثانية في سُلّم الكمال المعنوي، وهي أن يجد الإنسان نفسه عديم الإرادة والاختيار، فكلّما أراد منه اللَّه شيئاً ورضي به كان رضاه بذلك الشيء وتعلّقت إرادته بذلك الشيء أيضاً، وكلّما عَلِم أنّ اللَّه لا يريد ذلك الشيء فإنه لا يُريده أيضاً.
بعض العلماء يرى أن توكل إبراهيم عليه السلام كان يحكي عن هذه المرتبة الثالثة، عندما
[١]. بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ٣٣٦.