الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٧ - معطيات التوكل في حياة الأنبياء
موسى عليه السلام، حيث وقف مقابل المشركين من قومه وتصدّى لعقائدهم وتهديداتهم ومؤامراتهم من موقع الاستهزاء والسخرية، وكان يقول لهم في حكايته عن دعوته ورسالته السماوية: «... إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَااسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» [١].
أجل فأنا لا أخاف من شيء لاعتمادي على إيماني باللَّه والتوكل على ذاته المقدسة وسأستمر في خطّ الرسالة والدعوة إلى اللَّه والإصلاح ما أمكنني ذلك وبالاتكال على اللَّه.
والجدير بالذكر أنّ شعيب ولغرض تنفيذ عملية الإصلاحات الواسعة الّتي كان يتحرّك باتجهاهها في مجتمعه الفاسد كان يعتمد على ثلاث دعائم:
الاولى: تهيئة المقدّمات للعمل من قبل اللَّه تعالى حيث تشير إلى ذلك كلمة «توفيقي»، ثمّ بالإنطلاق من عزم راسخ وارادة قوية بالشروع بالعمل والإصلاح، وذلك بقوله «عليه توكلت»، ثمّ أن تكون للإنسان المصلح دوافع سليمة وبنّاءة للقيام بعملية الإصلاح، وهو ما أشار إليه بقوله (إليه انيب).
وتتحرّك «الآية الخامسة» لتستعرض لنا كلام يعقوب لأولاده، ويعقوب هو الجدّ الأعلى لبني إسرائيل والّذي كان يعيش في مضيقة شديدة في ذلك الزمان، فمن جهة فقد ابنه العزيز يوسف، ومن جهة اخرى كان يعيش القحط الشديد في كنعان الّذي أصاب الناس في تلك المناطق، فكانوا يواجهون التحديات والظروف الصعبة بسبب ذلك، وبالتالي وجد نفسه مجبراً على أن يودع ابنه الآخر (بنيامين) بيد ابنائه الآخرين الّذين كانوا يعيشون الجفاف الروحي والعاطفي، وذلك لغرض تحصيل القوت والطعام من أرض مصر ويحصلوا على المساعدة من عزيز مصر، وهنا أوصى يعقوب ابناءه المتجهون إلى مصر بقوله: «وَقَالَ يَابَنِىَّ لَاتَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَا حِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَا بٍ مُّتَفَرّقَةٍ ...» [٢].
ثمّ أضاف: انني بهذه التوصية لا أستطيع أن أصُدّ عنكم البلاء أو أمنع عنكم ما قدّر اللَّه
[١]. سورة هود، الآية ٨٨.
[٢]. سورة يوسف، الآية ٦٧.