الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٦ - معطيات التوكل في حياة الأنبياء
والجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم وبعد هذه الآية يتحدّث عن أنّ هود عليه السلام خاطب قومه المعاندين بخطاب من موقع العقل والاستدلال وقال: «مَا مِنْ دَابَّةٍ الّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا» [١].
ثمّ أضاف: إن قدرة اللَّه تعالى ليست بالقدرة الّتي توحي لصاحبها بالغرور والإنحراف عن خطّ الحقّ بل «انَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
وعليه فأنا أعتمد على من قدرته مطلقة وافعاله عين الصواب والعدالة.
وتأتي «الآية الثالثة» لتشير إلى جانب من سيرة النبي إبراهيم عليه السلام وتوكّله على اللَّه في أحلك الظروف وأصعب الحالات الّتي يواجهها الإنسان وتقول: «رَّبَّنَآ إِنّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الُمحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلوا ةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مّنَ الَّثمَرَا تِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» [٢].
فلو لم يكن ايمان إبراهيم كالجبل الشاهق، ولم يكن له قلب كالبحر المتلاطم، ولم يكن يعيش التوحيد والتوكل في أعلى مراتبه، فهل يمكنه كإنسان طبيعي أن يسكن زوجته وابنه الحبيب في صحراء قاحلة ومحرقة بلا ماءٍ ولا كلاء ليس لشيء إلّاامتثالًا لأمر اللَّه تعالى ثمّ يعود من هناك إلى وطنه الأصلي؟
هذه الحادثة العجيبة تذكرنا بحادثة اخرى في سيرة إبراهيم عليه السلام العظيم، وهي عندما وضعه مخالفوه وأعداؤه المعاندون في قفص الإتهام بسبب تحطيمه أصنامهم، فكان إبراهيم على وشك أن يُقتل ولكنه مع ذلك لم يترك السخرية من أصنامهم وعقائدهم الزائفة وكان ينطلق في حواره معهم من موقع المنطق والدلائل القوية في عملية إبطال منطقهم الخرافي وإثبات زيف مدّعياتهم الواهية.
«الآية الرابعة» تشير إلى قصة شعيب عليه السلام الّذي جاء بعد فترة من النبي هود عليه السلام وقُبيل
[١]. سورة هود، الآية ٥٦.
[٢]. سورة إبراهيم، الآية ٣٧.