الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٩ - معطيات التوكل في حياة الأنبياء
يَاقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِنْ كُنتُم مُّسْلِمِينَ» [١]
وهذا يعني انكم لا يمكنكم التصدي لمثل هذا الحاكم الجائر ومواجهته من موقع القوّة والخلاص من شرّه إلّابالتوكل على اللَّه تعالى.
ومن البديهي أنّ موسى عليه السلام نفسه كان في مرتبة متقدمة من هذا الأمر من حيث تجسيده لمعنى التوكل في ممارساته العملية، ولو لم يكن يتمتع بمقام التوكل فكيف يستطيع وهو راعٍ للأغنام بدون أن يتمتع بأية قدرة ظاهرية مواجهة أعتى قوّة وحكومة في ذلك الزمان؟
وهكذا لبّى المؤمنون من بني إسرائيل نداء موسى عليه السلام «فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ...» [٢].
ثمّ توجّهوا إلى اللَّه تعالى وقالوا: «... رَبَّنَا لَاتَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» [٣].
والمقصود من (فتنة) في الآية الأخيرة هو ما قد يتعرضون له من التعذيب والتنكيل على يد أزلام فرعون، وقد وردت هذه الكلمة في سورة (البروج) في مورد أصحاب الأخدود، وكذلك في الآية ٨٣ من هذه السورة مورد البحث والّتي أشرنا إليها سابقاً.
ويُحتمل أنّ المراد من (الفتنة) في كلا الموردين هو عملية الإنحراف عن خطّ التقوى والطاعة والإيمان، لأن الفراعنة لو تسلّطوا على المؤمنين لرأوا ذلك دليلًا على حقانيّتهم ولاستمروا في طريق الإنحراف بأقدام ثابتة وعزم راسخ أكثر من السابق.
وتستعرض «الآية السابعة» في إطار الحديث عن الأزمنة الّتي تلت عصر موسى عليه السلام حيث كان بنو إسرائيل يعيشون العناء والظلم على يد سلطان جبّار يُسمّى (جالوت)، فكان أن اضطروا إلى اللجوء لنبي لهم يُدعى (إشموئيل) وطلبوا منه أنّ يُعيّن لهم قائداً يقود جيوشهم نحو مواجهة جالوت والتخلّص منه واستعادت أراضيهم وبيوتهم منه، فعيّن إشموئيل
[١]. سورة يوسف، الآية ٨٤.
[٢]. سورة يونس، الآية ٨٥.
[٣]. المصدر السابق.