بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٢ - ما هو السرّ
ولمّا رأى العدو المنهزم أنّ جبل العينين قد أضحى خالياً من الرماة ، وكان جبل العينين يقع على ضفتين يتخلّلهما معبر ، فاستغل العدو الفرصة فأدار خالد بن الوليد من معه من وراء المسلمين ، فورد المعسكر من هذا المعبر على حين غفلة منهم ، فوضع السيوف فيهم فقتل منهم لفيفاً إلى أن تحوّل النصر إلى هزيمة ، وكان ذلك نتيجة مخالفة المسلمين لوصيّة الرسول ، وتقديماً للاجتهاد على النص ، والرأي الخاطئ على الدليل ، وكم له من نظير في حياة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وبعد وفاته.
٣ ـ مخالفتهم في صلح الحديبية :دخلت السنة الثالثة للهجرة واشتاق النبي إلى زيارة بيت اللّه فأعدّ العدّة للعمرة ومعه جمع من أصحابه وليس معهم من السلاح إلاّ سلاح المسافر فلمّا وصلوا إلى أرض الحديبية ، منعوا من مواصلة السير ، فبعد تبادل الرسل بينه وبين رؤساء قريش اصطلحوا على وثيقة ذكرها أصحاب السيرة في كتبهم. فكانت نتيجة تلك الوثيقة رجوع النبي إلى المدينة ومجيئه في العام القابل للزيارة ، وقد ذكر فيها شروط للصلح أثارت حفيظة بعض المسلمين ، حتّى أنّ عمر بن الخطاب وثب فأتى أبابكر فقال : « أليس برسول اللّه؟ قال : بلى ، قال : أولسنا بالمسلمين؟ قال : بلى ، قال : أوليسوا بالمشركين؟ قال : بلى ، قال : فعلان نعطى الدنيّة في ديننا » [١].
فقد زعم الرجل أنّ البنود الواردة في صلح النبي تعني اعطاء الدنية في الدين ، حتّى أنّ النبي أخبرهم حين الشخوص من المدينة أنّ اللّه سبحانه أراه في المنام أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام ، فلمّا انصرفوا ولم يدخلوا مكّة ، قالوا : ما حلقنا ولا
[١] السيرة النبوية لابن هشام ٢ / ٣١٦ ـ ٣١٧.