بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٩ - نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع
ثابت فولّاه عثمان الديوان وبيت المال ، فلمّا حصر عثمان قال : يا معشر الأنصار ، كونوا أنصار اللّه ـ مرتين ـ فقال أبو أيّوب : ما تنصروه إلا إنّه كثر لك من العضدان [١] فأمّا كعب بن مالك فاستعمله على صدقة « مُزِينة » وترك ما أخذ منهم له [٢].
قام الامام بواجبه ، وهمَّ بالاصلاح ، وحوله حُسّاد حاقدون ، وأعداء يترقّبون الفرص ، وعمّال للخليفة يسألونه البقاء على مناصبهم ، فعند ذلك حاقت به الأزمات والشدائد ، وهو يصف ذلك بقوله : « فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت اُخرى ، وقسط آخرون ، كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه سبحانه يقول : ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلا فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ ) [٣] بلى! واللّه لقد سمعوها ووعوها ، ولكنّهم حَلِيتْ الدنيا في أعينهم ، وراقهم زِبْرجها. أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لو لا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة [٤] ظالم ، ولا سغب [٥] مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عَنْز » [٦].
فقد أشار الامام بكلامه هذا إلى حروبه الثلاثة مع طوائف ثلاث ، فالناكثون هم أصحاب الجمل ، الذين لم يجدوا عند الاما إلا الحقّ ، فطلبوا منه من المناصب ما كان فوق شأنهم وأمانتهم فاجتمعوا في مكّة وأمانتهم في مكّة تحت غطاء المطالبة بدم عثمان مع
[١] العضاد : كل ما يحيط بالعضد من حلي وغيرها.
[٢] تاريخ الطبري ٣ / ٤٥٢.
[٣] القصص / ٨٣.
[٤] الكظّة : البِطْنَة ( ما يعتري الآكل عند امتلاءه بالطعام ) والمراد : استئثار الظالم بالحقوق.
[٥] السغب : شدة الجوع.
[٦] نهج البلاغة ، الخطبة ٣.