بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٠ - نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع
إن الامام لم يسكت طول حياته عن بيان حقّه وارشاد الناس إليه ، بل أظهر عدم رضاه بالأمر الواقع وانّه تعبير آخر عن غصب حقّه ، يقف عليه كل من قرأ ماساة السقيفة في كتب التاريخ ، فلا يفوتنّك قراءة طبقات ابن سعد ، وتاريخ الطبري ، والسيرة النبوّية لابن هشام ، ولا العقد الفريد ، ولا الامامة والسياسة لابن قتيبة ، فكلّها مفعمة بشكوى الامام وعدم قبوله بالأمر الواقع ، غير انّ التكليف حسب القدرة ، ـ وبعدها ـ في ظلّ المصالح العامّة ، فلم يكن للامام قدرة على المطالبة بحقّه ، وعلى فرض وجودها كانت المصلحة تكمن يومذاك في ادلاء الأمر إلى متقمّصيها وعدم المطالبة بها بالقهر والقوّة ، وإليك ما يدل على ذينك الأمرين من خلال دراسة التاريخ.
١ ـ هذا ابن قتيبة يسرد تاريخ السقيفة ، وما فيه من مآسي ، يقول : إنّ علياً كرّم اللّه وجهه اُتي به إلى أبي بكر وهو يقول : « أنا عبد اللّه وأخو رسول اللّه » فقيل له : بايع ، فقال : « أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ ، وتأخذوه من أهل البيت غصبا! ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد فيكم فسلّموا إليكم الإمارة ، فإذن أحتجُّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار. نحن أولى برسول اللّه حيّاً وميتاً ، فأنصفوا إن كنتم تؤمنون ، وإلا فبوءوا بالظظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر : إنّك لست متروكاً حتى تبايع ، فقال له علي : « احلب حلباً لك شطره ، وشُدَّ له اليوم ، يردده عليك غداً ـ ثمّ قال : ـ واللّه يا عمر لا أقبل قولك ولا اُبايعه » فقال له أبوبكر : فإن لم تبايع فلا اُكرهك ، فقال أبو عبيدة بن الجرّاح لعلي كرم اللّه وجهه : يا ابن عم إنّك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالاُمور ولا أرى أبابكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالاً واستطلاعا ، فسلِّم لأبي بكر فإنّك إن تعش ويطل لك بقاء ،