بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٤ - ما هو السرّ
والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالغَارِمينَ وَفِى سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلَيمٌ حَكِيمٌ ) [١] ، الآية صريحة في أنّ لكلّ واحد من الأصناف المذكورة سهم ودلّت كتب السيرة والفقه على أنّ الرسول يعطي سهم المؤلّفة قلوبهم ، فيؤلّف بذلك قلوبهم ، وهذه سيرته المستمرّة معهم ، لكن لمّا ولّي ابوبكر جاء المؤلّفة قلوبهم لاستيفاء سهمهم جرياً على عادتهم مع رسول اللّه فكتب أبوبكر لهم بذلك ، فذهبوا بكتابه إلى عمر ليأخذوا خطّه عليه فمزّقه وقال : لا حاجة لنا بكم ، فقد أعزّ اللّه الإسلام وأغنى عنكم ، فإن أسلمتم وإلاّ فالسيف بيننا وبينكم ، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا له : أنت الخليفة أم هو؟ فقال : بل هو إن شاء اللّه تعالى ، وأمضى ما فعله عمر [٢].
فاستمرّ الأمر على ذلك بعدهم ، وأقصى ما عند المحقّقين من تبرير عمل الخليفة ما ذكره الدواليبي في كتابه اُصول الفقه وقال : ولعلّ اجتهاد عمر ـ رضي اللّه عنه ـ في قطع العطاء الذي جعله القرآن الكريم للمؤلّفة قلوبهم كان في مقدّمة الأحكام الّتي قال بها عمر تبعاً لتغيير المصلحة بتغير الأزمان رغم أنّ النص القرآني لا يزال ثابتاً غير منسوخ [٣].
وما ذكره الاُستاذ يعارض ذيله صدره ، فما معنى أنّ النص القرآني لا يزال ثابتاً غيرمنسوخ ، فإذا كان غير منسوخ فما معنى الاجتهاد في مقابل النص ، لأنّ معنى ذلك ابطال القرآن في فترة خاصة ، ولو صحّ لأصحاب السلطة هذا النمط من العمل لما بقي من الإسلام أثر ، فالنص لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا تتقيّد اطلاقاته ولا عموماته بالمصالح المرسلة.
[١] التوبة / ٦٠.
[٢] الجوهرة النيرة ١ / ١٦٤ وهي في الفقه الحنفي ونقله في المنار ١٠ / ٥٧٦.
[٣] اُصول الفقه للدواليبي : ٢٣٩.