سلمان سابق فارس عرض وتحليل - الفقيه، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٤٢ - « الـمحنـة »
لكنه أصر على موقفه الرافض ـ ولعل طريقة قتلهم للشاة لم تعجبه لأنها منافية لما جاء في الشرايع السماوية من شروط الذبيحة ـ وبقي ممتنعاً عن الأكل ، وفكر في جوابٍ يرضي به فضولهم ويدفع عنه لائمتهم. فقال لهم :
« إني غلام ديراني ، والديرانيون لا يأكلون اللحم! »
ووجد خلاف ما كان يتوقع ، فالذي ظهر أن القوم يكرهون الأديرة والديرانيين والنصراى أجمعين ، وأنهم وثنيون أو يهود ، فرأوا وجوده بينهم مدعاةً لتعكير صفو عيشهم شأن ذوي العقول المتحجرة من المتعصبين ، فنهضوا إليه يؤدبونه.
يقول سلمان : « فضربوني ، وكادوا يقتلوني! »
فقال أحدهم ـ وكأنه يختبر حقيقة أمره ـ : أمسكوا عنه حتى يأتيكم الشراب ، فانه لا يشرب. »
« الـمحنـة »
هذه هي المحنة بدأت تواكب سلمان من جديد تضعه على المحك ، المحنة التي يبتلي بها الله أصفيائه وأوليائه والمؤمنين ، فقد ورد في الحديث الشريف « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل. » وما ذلك إلا ليعرفوا أنفسهم بأنفسهم ويدركوا مقدار ما هم عليه من الصدق مع الله والإخلاص له ، ولكي يعرف من سواهم أنهم لم يصلوا إلى أعلى المراتب إلا بالصبر على البلاء والتضحية في سبيل الله.
جاء الشراب ، فقالوا لسلمان : إشرب ، فأبى ولم يشرب وقال : « إني غلام ديراني والديرانيون لا يشربون الخمر .. »
وهنا لم يجدوا رداً على كلامه إلا بالضرب ، يقول : « فشدوا علي وأرادوا قتلي! »