روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٦ - الآية الأُولى أمره سبحانه موسى بالشكر له
والمقصود تسلية موسى _ عليه السلام _ عن منع الرؤية ، وهذا أيضاً أحد ما يدلُّ على أنّ الرؤية جائزةٌ على الله تعالى; إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة[١] .
وقد تبعه إسماعيل البرسوي فقال في تفسير قوله (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) : أن اشكُر يبلغك إلى ما سألتَ من الرؤية; لأنّ الشكر يستدعي الزيادة ، لقوله تعالى : (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ)[٢] والزيادة هي الرؤية لقوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيَادَةٌ)[٣] ، وقال عليه الصّلاة والسلام : «الزيادةُ هي الرؤية ، والحسنى هي الجنّة»[٤] .
ومن المثبتين للرؤية من يستحسن مواقفَ المستدلّين بهذه الآية ويقول : إنّ الاستدلال بهذه الآية على الجواز قويّ; لأنّ الله تعالى عدّد لموسى _ عليه السلام _ هذه النعم التي أنعم اللهُ بها عليه لما منعه من حصول جائز طلبه منه ، فذكر ما ذكر تسليةً له ، ولو منعه من ممتنع لكان بخطاب آخر ، وذلك مثلُ خطابه تعالى لنوح : (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)[٥] .
وقوله تعالى لإبراهيم _ عليه السلام _ حين قال : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحيي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)[٦] ، والفرق بين خطاب الله لموسى _ عليه السلام _
[١] الرازي ، مفاتيح الغيب ١٤ : ٢٣٥ . [٢] ابراهيم : ٧ . [٣] يونس : ٢٦ . [٤] إسماعيل حقي البرسوي ، روح البيان ٣ : ٢٣٩; وتبعه الآلوسي في روح المعاني لاحظ ٩ : ٥٥ . [٥] هود : ٤٥ ـ ٤٦ . [٦] البقرة : ٢٦٠ .