روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٢ - الآية الرابعة آيات اللقاء
وعلى ذلك يكون المراد من الجميع هو لقاء الناس يوم الجزاء ، بمعنى حضور الناس في يوم القيامة للمحاسبة والمجازاة ، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ ، وإنّما سُمِّي هذا بلقاء الرب أو لقاء الله لما تعلّقت مشيئته على مجازاة المحسنين والمسيئين في ذلك اليوم ، فبما أنّه سبحانه يجزي المحسن والمسيء في ذلك اليوم فكأنّهم يلقونه سبحانه فيه لا قبله .
وفي نفس الآيات الّتي استدلّ بها على ذلك قرينة واضحة على أنَّ المراد من الآيات هو الحضور يوم القيامة; وهي أنّه سبحانه يأمر من يرجو لقاء الربّ بالعمل الصالح ويقول : (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحاً)[١] ، أي فليستعدّ لذلك اليوم بالعمل الصالح ، كما أنـّه في آية أُخرى يأمر بتقديم شيء لهذا اليوم ويقول : (وَقَدِّمُوا لاَِنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا الله وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ)[٢] ، وذلك لأنّ مقتضى العلم بالحشر في ذلك اليوم والمحاسبة والمجازاة هو تقديم الأعمال الصالحة .
والذي يدلّ على أنّ المراد من اللقاء ليس هو الرؤية ، أنّ الرؤية تختصّ بالمؤمنين ولا تعمّ الكافرين ، مع أنّه سبحانه يُعمِّم اللقاء بالمؤمن والكافر فيقول : (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ)[٣] فلو كان المراد من لقاء الله هو مشاهدته ورؤيته فيلزم أن يكون المنافق مشاهداً له ، فلم تبق أيّ فضيلة للمؤمنين ، مع أنّ القائلين بالرؤية يُزمِّرون بأنّ الرؤية فضيلة وزيادة تختصّ بالمؤمنين .
ولما ضاق الخناق على بعضهم قال بوجود رؤيتين : إحداهما عامّة للمؤمن والكافر; وهي الرؤية يوم القيامة ، والأُخرى خاصّة بالمؤمنين; وهي الرؤية في
[١] الكهف : ١١٠ . [٢] البقرة : ٢٢٣ . [٣] التوبة : ٧ .