روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨ - ٣ ـ خضوعها للبرهان العقلي
فقد بلغ الخليل النهاية في مجال المعرفة على وجه رأى ملكوت السماوات والأرض ، فأراه سبحانه ملكوتهما ، أي كونهما قائمين بالله سبحانه ، وما ذلك إلاّ ليكون موقناً ومذعناً لأُصول التوحيد ، وما أراه ملكوت السماوات والأرض إلاّ بإلهامه البرهانَ الدامغ الّذي أثبت به بطلان ربوبيّة الكوكب والقمر والشمس ، وانتهى في آخره إلى أنّه لا إله إلاّ هو ، وقال بعد ذكر البراهين : (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[٢] .
فهذه الآيات ونظائرها تكشف عن أصل موضوعي في الشريعة الإسلامية وهو أنّ الغاية من طرح الأُصول العقائدية هي الإذعان بها والوصول إلى اليقين ، لا التعبّد بها دون يقين ، وهذا يفرض علينا أن نفتح مسامعنا لنداء العقل ودعوته ،
خصوصاً في الأُصول الأوّلية الّتي تُبنى عليها نبوّة النبيّ الأكرم; فمن حاول تعطيل العقل وإبعاده عن ساحة البحث مكتفياً بالنصّ ، فقد لعب بورق خاسر; إذ إنّ بديهة العقل تحكم أنّ الاكتفاء بالسمع في عامّة الأُصول مستلزم للدور ، وتوقّف صحّة الدليل على ثبوت المدّعى وبالعكس .
إنّ رفض العقل في مجال البرهنة على العقيدة ـ من قبل بعض الفرق طبعاً ـ صار سبباً لتغلغل عنصر الخرافة في عقائد كثير من الطوائف الإسلامية ، وفي ظلّ
[١] الأنعام : ٧٥ ـ ٧٩ . [٢] الأنعام : ٧٩ .