روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣ - ٣ ـ عدم الاكتراث بإثبات الجهة
ويلاحظ على هذا الكلام ما يلي :
أوّلا : كيف ادّعى أنّ الكتاب والسنّة أثبتا العلوّ لله الّذي هو مساوق للجهة; فإن أراد قوله سبحانه : (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)[١] فقد حُقّقَ في محلّه بأنّ استواءه على العرش كناية عن استيلائه على السماوات والأرض وعدم عجزه عن التدبير . وأين هو من إثبات العلوّ لله ، وقد أوضحنا مفادَ هذه الآيات في أسفارنا الكلاميّة[٢] .
وإنْ أراد ما جمعه ابن خزيمة وأضرابه من حشويات المجسّمة والمشبّهة ، فكلّها بدع يهودية أو مجوسية تسرّبت إلى المسلمين ويرفضها القرآن الكريم ، وروايات أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ .
ثانياً : إذا افترضنا صحّة كونه موجوداً في جهة عالية ينظر إلى السماوات والأرض فكيف يكون محيطاً بكلّ شيء وموجوداً مع كلّ شيء ، فإذا كان هذا معنى التنزيه فسلامٌ على التجسيم .
ونِعْمَ ما قال شاعر المعرّة :
فيا موت زر إنّ الحياة ذميمةٌ * ويا نفسُ جُدّي إنّ دهرك هازلُ
فالّذي تستهدفه رسالات السماء يتلخّص في توحيده سبحانه ، وأنّه واحد لا نظير له ولا مثيل أوّلا ، وتنزيهه سبحانه عن مشابهة الممكنات والموجودات ثانياً .
غير أنّ أصحاب الحديث بعد رحيل الرسول توغّلوا في وحل حبائل الشرك والتجسيم وأبطلوا كلتا النتيجتين; فقالوا بقدم القرآن وعدم حدوثه ، وأثبتوا بذلك مثلا لله في الأزلية وكونه قديماً كقدمه سبحانه .
[١] الرعد : ٢ . [٢] الالهيّات ١ : ٣٣٠-٣٤٠ .