روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨ - الرؤية في كتب العهدين
إنّ فكرة الرؤية تسرّبت إلى المسلمين من المتظاهرين بالإسلام ، كالأحبار والرهبان ، وصار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جعلها في ضمن العقيدة الإسلامية ، بحيث يُكفَّر منكرها أحياناً أو يفسَّق ، ولما صارت تلك العقيدة راسخة في القرنين الثاني والثالث بين المسلمين ، عاد المتكلّمون الّذين تربوا بين أحضانهم للبرهنة والاستدلال على تلك الفكرة من الكتاب أولا والسنة ثانياً ، ولولا رسوخها بينهم لما تحمّلوا عبء الاستدلال وجهد البرهنة ، وسوف يوافيك أنّ الكتاب يردّ فكرة الرؤية ويستعظم أمرها وينكرها بشدّة ، وما استدلّ به على جواز الرؤية من الكتاب فلا يمتّ إلى الموضوع بصلة .
إنّ مسألة رؤية الله تعالى قد طرحت على صعيد البحث والجدال في القرن الثاني ، عندما حيكت العقائد على نسق الأحاديث ، ووردت فيها رؤيته سبحانه يوم القيامة ، فلأجل ذلك عدّت من العقائد الإسلامية ، حتّى أنّ الإمام الأشعري عندما تاب عن الاعتزال ولحق بأهل الحديث رقى يوم الجمعة كرسيّاً ونادى بأعلى صوته : من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه نفسي ، أنا فلان بن فلان كنت قلت بخلق القرآن ، وأنّ الله لا يُرى بالأبصار ، وانّ أفعال الشرّ أنا أفعلها ، وإنّي تائب مقلع معتقد للردّ على المعتزلة[١] .
وقال في الإبانة : وندين بأنّ الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر ، يراه المؤمنون ، كما جاءت الروايات عن رسول الله[٢] .
وقال في كتابه الآخر : بسم الله ، إن قال قائل : لم قلتم إنّ رؤية الله بالأبصار جائزة من باب القياس؟ قيل له : قلنا ذلك; لأنّ ما لا يجوز أن يوصف به تعالى
[١] ابن النديم ، الفهرست : ٢٧١; ابن خلكان ، وفيات الأعيان ٣ : ٢٨٥ . [٢] الإمام الأشعري ، الابانة : ٢١ .