روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٤
الّتي خُلق عليها غير هاتين المرّتين ، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عِظَمُ خلقه ما بين السماء إلى الأرض ، فقالت : أوَلَمْ تسمع أنّ الله يقول : (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[١]؟ أوَلم تسمع أنّ الله يقول : (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِل رَسُولا فَيُوحِي بِإذْنهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)[٢]؟ قالت : ومن زعم أنّ رسول اللهـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول : (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)[٣] قالت : ومن زعم أنّه يُخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول : (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهَ)[٤][٥] .
* * *
التاسع : أنّ للشيخ الجصّاص الحنفي (ت٣٧٠هـ ) كلاماً رائعاً في تفسير قوله سبحانه : (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) وقد فسّر الروايات الدالّة على الرؤية بالعلم الضروري الّذي لا يشوبه شبهة ، ولا تُعرض فيه الشكوك ، ولأجل إيقاف القارئ على كلام ذلك المفسّر الكبير الّذي هو من السلف الصالح نذكر نصّ كلامه :
قوله تعالى : (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ) يقال : إنّ الإدراك أصله اللحوق ، نحو قولك : أدرك زمان المنصور ، وأدرك أبا حنيفة ، وأدرك
[١] الأنعام : ١٠٣ . [٢] الشورى : ٥١ . [٣] المائدة : ٦٧ . [٤] النمل : ٦٥ . [٥] النووي ، شرح صحيح مسلم ٣ : ٨ .