أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٥٣ - هل الفلسفة المادّية تسير بسير العلوم
وسلّطوا عليها أدق أساليب التمحيص، ولأجل ذلك يعتقدون بما أقرّت به الأُصول الكيماوية، فإذا شاهدوا الفعل والانفعال بالحسّ والتجربة وبالآلات والمجهرات يعترفون بخواص الأجسام والتراكيب الجوهرية، فكل ما ترشد إليه العلوم الحسّية يتلقّونه بالقبول.
ولكن هذا المنهج في تحليل الحقائق جرّهم إلى الإلحاد ونفي الصانع، لأنّهم لم يشاهدوه بالحسّ والتجربة.
ونرى طائفة أُخرى يكيل لهم السواد بصاع كبير قد أحاطت بهم كتب مطبوعة ومخطوطة، وحاق بهم غبارها وهم يمارسونها بأشد الشوق وغاية الولع، بين مستنسخ إلى مترجم إلى باحث محقّق، يتخيّلون أنّـهم حملة المعارف السماوية وخزانة الأسرار العلوية وأُولوا الحل والعقد في الحظيرة القدسية، وقرناء الملائكة وأعدال المنزّهين، ويبحثون عن الآيات والأحاديث المختلفة، وقد أوصلتهم تلك الجهود إلى رفع الحجاب عن أحد المخفيات الدينية فعيّنوا الفاصلة الموجودة بين حدقتي الأب السرمدي.
وأوضح دليل على تدهور الفلسفة الإلهية في أوربا عند ظهور طلائع المدنية الحديثة ما نقرأه في «المجموعة الإلهية» تأليف القدّيس «توماس اكويني» فقد خصّص فصلاً مستقلاّ ً بمسألة خرافية وهي: هل يستطيع أن يستقر عدّة من الملائكة في رأس الإبرة؟
هذا مبلغ علمه ومدى تفكيره وقيمة أبحاثه، والرجل بعد يعد من أعاظم الفلاسفة في الغرب في القرون الوسطى.
قال الدكتور شبلي شميل [١]: «إنّ الفلسفة الإلهية بلغت بين المسلمين
[١]قاله في مقال له حول القرآن والعمران، ونشر مقاله في الجزء الثامن من كتابه (النشوء والارتقاء).