أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٥٠ - هل الفلسفة المادّية تسير بسير العلوم
كبارهم إلى صغارهم ومقلّديهم من المنتمين إليهم، فخيّل أنّهم باطّلاعهم على آثار زعمائهم أعرف بالكون وجوانبه، وبالعوامل التي تعمل فيه، من صاحب الدكان بمحتويات دكّانه ومن المستبضع بما تحت أردانه.
أعد النظر إلى ما تلوكه أشداقهم من الحشو الرثّ والدعاوي الباطلة والمزاعم العاطلة حيث يقولون: إنّ للإنسان المفكّر الذي يريد أن يحل مشاكل القضايا طريقين: إمّا أن يقتفي أثر الفلسفة الإلهية ويمشي على أُصولها ويعتقد وجوداً يمتنع إدراكه وفهمه، ولا مفرّ له بعد هذا من إنكار العلوم والصنائع المستحدثة والفنون المستكشفة. وإمّا أن يقتفي أثر العلوم والصنائع ثم ينكر الإله وشؤونه.
وأقل فائدة تعود للقارئ الكريم من قراءة هذا الكتاب، هو وقوفه على هذه الأساطير وما فيها، وانّ الفلسفة المادّية التحوّلية على رغم حماتها مقطوعة عن العلوم ونتائجها، وما ادّعاه من أنّ الفلسفة المادّية من نتائج العلوم ومواليدها خيال في خيال، وما مهّدوا من الأُصول زاعمين أنّها من نتائج العلوم كلّها تحريفات نسجوها على حسب ميولهم واستنباطات شخصية لا ترتبط بالعلم والكشف.
وأقوى دليل لهم في هذا المضمار أنّ الفلسفة المادّية قد استولت على العالم وظهر سلطانها يوم بلغت العلوم الفرعية شأواً بعيداً من التقدّم وأثمرت ثمراتها اليانعة، ولكن هذا التقارن غير كاف في إثبات مزاعمهم، إذ لو كان التقارن دليلاً على كونها من نتائج العلوم فلتكن السفسطة من نتائجها، فإنّ الآراء السفسطية قد ظهرت في أوربا في القرون الأخيرة يوم ظهر سلطان العلوم، فقد ظهر أُناس عمدوا إلى تشكيك الناس في الأُصول الأوّلية وعلومها الضرورية.