أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٤٣ - برهان ثان على تجرّد العلم والفكر عن المادّة
الصور الخيالية، صور خيالية إذا قيست إلى خارجها، ولكن لها واقعية في ظرفها لا يصح سلب الواقعية بجميع مراتبها عنها، فمعنى كون الشيء خيالاً أنّه لا يترتب عليه أثر الموجود الحقيقي الخارجي، وأمّا هو في ظرفه الخيالي فله حقيقة بالنسبة إلى ظرفه، ولهذه الصور الكبار مرحلة من الحقيقة لا يمكن إنكارها ولذلك يعود السؤال ثانياً، بأنّ هذه الصور الخيالية المتحققة في ظرفها كيف انطبعت في محل صغير جداً؟
برهان ثان على تجرّد العلم والفكر عن المادة:
وممّا يدل على تجرّد الصور العلمية والتفكيرات الذهنية هو الروابط التصديقية التي تدور عليها رحى الاذعان فإنّ تلك الروابط غير قابلة للانقسام، واستوضح ذلك من المثال التالي: هذا الجسم أبيض.
فالموضوع أعني الجسم كمحموله ذو أجزاء وأبعاض، إلاّ أنّ الحكم بالهوهوية وإنّ هذا ذاك الذي هو حقيقة التصديق مما لا يقبل الانقسام أصلاً مع أنّ الانقسام من لوازم المادة، فلا منتدح عن القول بأنّ هذا القسم من الإدراك أمر غير مادي، إذ لو كان مادياً وقائماً بها لما تخلص من آثارها وخواصها، وأنت لا تجد نفسك الحرة خاضعة على أن تعتقد بأنّ هذا المعنى البسيط (الحكم بأنّ هذا ذاك) مما ينحل وينقسم، والإنسان مهما تصوّب أو تصعّد لا يجد أنّ للقضاء والحكم جزءاً وانحلالاً.
وإذا وقف المادي على هذه المشاكل حاول تفسيرها بالأشعة المجهولة والأمواج غير المرئية، لكنّه عزب عنه أنّه لو أحاله إلى أيّ مرجع مادي لا تحل به العقدة، فإنّها بعد أُمور مادية إذ الوجود عندهم مساوق للمادة، فعند ذلك يعود السؤال ثانياً.