أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٦٢ - جولة حول هذا المقال
الحال كذلك إذا نظرنا إلى المرآة لنطّلع على ما في الوجه والرأس من أوضاع وأحوال غافلين عن أنّها زجاجة صيقلية، بل لا ترى في ذلك النظر إلاّ عارضك و...
(الثاني): أن تطل عليها بنظرك من دون أن تجعلها حاكية عن شيء وراءه فلا ترى حين ذاك إلاّ صفحة كارتونية قد تنقطت بنقط سوداء قد توزعت على طول سطحها.
لكن حقيقة الإدراك والعلم لا تنطبق على النظر الثاني قط، لأنّ جوهر العلم هو الكشف والإظهار عن الشيء بحيث لا يلاحظ عند العالم إلاّ أمراً آلياً، ولا يقع بنفسه مجالاً للنظر، وهذه الأحكام مسلوبة عن الوجه الثاني، إذ على هذا الوجه لا ترى فيها بحيرة ولا تلالاً، بل تنظر إليها بما هي هي، فلا ترى فيها سوى النقط السوداء، ولا تلاحظ الصحيفة إلاّ بالنظر الاستقلالي.
وأمّا الوجه الأوّل فهو يمثل حقيقة العلم لمن أراد أن يستطلع الحقائق من طرق الأمثال، وإن اشتهر أنّ المثال يقرب من وجه ويبعد من ألف.
هلم معي نحاسب مدى البيان الذي تلوناه عليك من الماديين حتى تقف على مغزاه، وتعرف بوضوح أنّ ما أصّر عليه في توجيه حقيقة العلم لا ينطبق إلاّ على الأمر الثاني، الذي هو بمراحل عن واقعية الإدراك بل لا مساس لها بحقيقة العلم، وأنّ بين الأمرين بوناً شاسعاً لا يقصر عن بعد السماء من الأرض !!!
وإن شئت فلاحظ البيان الماضي مرة أُخرى فإنّ الاكتفاء في تفسير حقيقة العلم بالآثار المادية البارزة في مراكز الإدراك، وقصر النظر بها، كالنظر إلى النقط السوداء التي احتوتها الصفحة الكارتونية، وملاحظتها بما أنّها آثار حدثت في سطح الصحيفة.