أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٦٣ - جولة حول هذا المقال
والحاصل: أنّ النظرة الأُولى تنطبق على حقيقة العلم ولا تنطبق على هذا البيان الصادر عن المادي، والنظرة الثانية وإن كانت منطبقة عليه غير أنّه بمراحل عن حقيقة العلم، وأظن أنّ المادي قد ذهل عن محل النزاع، وهو أشبه شيء بالذهول العمدي.
حسب المادي أنّ من قال بتجرّد الصور العلمية، ينكر كلّما ساقه من العوارض والحالات والأعمال الفيزياوية في مراكز الإدراك! وانّه يعتقد أنّ الإدراك لا يتوقف على أُمور مادية من استعمال العصب وأتعاب البدن كلاّ ... كلّ ذلك كذب وفرية، فإنّ الإلهي لا يدفع أصلاً من الأُصول، ولا قاعدة من القواعد التي أثبتتها العلوم وأيدتها التجاريب، بل له في باب الإدراك أشواطاً غير تلك المظاهر المادية وهو يتلقى كل ذلك من الأعصاب والأدمغة، وما يتجلى فيها من فعل وانفعال اعداداً للإدراك ومقدمة للعلوم، وليست هي عين العلم والإدراك.
وإن كنت في ريب مما أسندناه إليهم، فضع يدك على أي تأليف لهم أُلّف في هذا المضوع، فإنّها طافحة بالإيمان بكلّ أصل علمي وعمل مادي أطبق على وجودها العلم.
وهذا الاعتراف منهم، أي الاعتراف بأنّ الإدراك يتوقف في هذه النشأة المادية على اعداد ومقدمة من عمل الأعصاب ونحوه، لا ينافي مع ما تسلّموه عند البحث عن النفوس من بقائها بعد مفارقتها، وبقاء إدراكاتها عند انفصالها عن تلك الأبدان، وسيوافيك بيانه في المستقبل إن شاء اللّه.
ومجمل القول: أنّا لو أغمضنا عن كل شيء، لا يسمح لنا الإغماض عمّـا ساقنا إليه البرهان، من أنّ العلوم والإدراكات تفقد ما يعد من الأحكام العامة للمادة، كيف وقد عرفت أنّ الانقسام والتغيير، والتشخّص، وكون