أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٢٥ - النكتة الثالثة
فاعرض عليه عدّة من القضايا الصحيحة الخارجية والقضايا الوهمية ولتجتهد في لطافة البيان وحسن التعليل حتى ينحدر ذهن المشتبه إلى ما يصح وما لا يصح، حتى يقف على أنّ علومه وتصوراته ليست على نسق واحد وانّ له طيلة حياته، علوماً حقيقية ليست من ولائد ذهنه كما أنّ له إدراكات مسوّلة نسجتها يد الخيال في مستوى التعقّل.
هكذا الق إليه الخطاب واشرح له المراد، واكشف الستر عن الحقائق بالمشراط العلمي، بشدّة وحدّة أو بخفة ولطافة حسب اختلاف المقامات.
وأمّا المكابر هو ومن يحذو حذوه من سماسرة الشهوات والأهواء ودعاة العيث والفساد الذين يحملون نزعات وبيلة، ينكرون كل فضيلة رابية، فلا سبيل إلى مداراته بالأُصول العلمية والتجارب الفكرية، إذ لا يصغى لقول أيّ قائل وإن تسنّم عرش العلم والعرفان، ولا برهنة أيّ مبرهن وإن فاق وبرع في فنون العلم، إذ المكابر يجتنب عن معترك البحث والبرهنة، فلا يُتداوى عليل لا يصغي لدستور طبيبه.
نعم هنا طريق آخر لحسم فسادهم وهو أن يعامل معهم حسب كلامهم، ومقتضى عقائدهم، فهم ينكرون الحياة والعذاب، وينفون العلم والإدراك، ولا يعترفون بإحساس وإشعار، فعلى هذا لا عتب علينا أن نتعامل معهم معاملة الجمادات، والموجودات غير ذات الشعور والحياة، إذ هم والجماد حسب اعترافهم سواسية، لا يفترقان أصلاً فلا عتب علينا إذا ضربناهم أو أحرقناهم أو عذّبناهم بأنواع العذاب، فيجب على من يحمل بين جنبيه عاطفة بشرية ويريد أن يحرس الإنسانية من افتراس تلك السباع الضواري، أن يقطع أُصولهم، من أديم الأرض، بتبديد شملهم وتمزيق جمعهم، حتى لا يسوقوا الملأ الإنساني إلى الجهل، فهم رجال العيث والفساد