أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٣ - مراكز الفلسفة
فقد كانت اليونان وضواحي آسيا الصغرى يوماً ما مركزاً للمعارف العقلية والمسائل الفلسفية، وأُسست بيد رجالها في تلك البلاد، حوزات علمية ومعاهد فكرية، وقد بقيت تلك المعاهد تزدهر في سنوات متطاولة بمئات من المتخرّجين وعشرات من الأساتذة.
ثم بعد لأي من الدهر غادرها الفضلاء، والأساتذة وقفلوا إلى الاسكندرية، وما زالت مدارسها معمورة ومعاهدها مزدهرة إلى أن استولى عليها امبراطور الروم الشرقي حوالي سنة ٥٢٩ الميلادي، فقضى على محافلها العلمية، وهدم معاهدها العالية وأزعج الأساتذة والجهابذة.
وبينما هو يحكم في تلك البلاد بالعسف والطغيان، ومناوأة العلم والعرفان، إذ أزهر كوكب الإسلام الدرّي وأشرقت الأرض والسماء بنور نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخذت تلك الظلمات تنحسر أمام نوره الوهّاج، وأخذ هو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يصدع بكلام اللّه ويخاطب المجتمع البشري بقوله: هَلْ يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعلَمُونَ) [١].
قام نبي الإسلام داعياً إلى العلم، حامياً عن أهله بكتابه المبين وسنّته النيّـرة، هكذا كان رأيه ودأب من بعده من المقتفين أثره، فقد خطى المسلمون بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خطوات واسعة متواصلة حتى تأسّست بيد رجالات الدين كلّيات ومعاهد ومجامع علمية لا يستهان بها، فأشرق بنور العلم مدنها وعواصمها.
كانت نتائج هذه الجهود، أن حدثت مدنية تعد من أرقى المدنيات التي حفظها التاريخ، إذ صارت العلوم الداثرة دارجة، والمتفرّقات مجتمعة،
[١]سورة الزمر : ٩.