أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٢٩ - ما هو مركز الصواب والخطأ
به بحواسّنا، وهذا خطأ محض فانّ الاجتياز عين الدخول في ظرف الخيال لا في الخارج.
مثال آخر:
يقول المادّي: إنّ المعاول العلمية قد قضت على العالم الروحاني الذي عبده البشر أُلوف السنين، وعمّروه بالمساجد والكنائس، وانّ ما يعتقده الإلهيون من وجود صانع خالق مدبر، أمر خيالي ليس بموجود.
والفيلسوف الإلهي يرى تلك الجملة قضية كاذبة، غير انّه يصدق المادّي فيما أراده منها في صميم قلبه، بمعنى أنّ الإلهي يعتقد أنّ النفي والإثبات من الجانبين لا يتواردان على محل واحد، وانّ المادّي قد أراد من الموضوع أو المحمول أمراً لا يقصده الإلهي.
وباختصار: المادّي لم يصل إلى مغزى ما يقصده الإلهي من الاعتقاد بوجود الصانع المدبر وتوهّم انّ الإلهيين يريدون من الخالق (اللّه) العلّة القائمة مكان العلل المادّية المجهولة وانّ كل حادثة مادّية إذا لم يصل العلم إلى كشف عللها المادّية، فهو مصنوع ذلك الصانع عند الإلهيين ومعلوله وبما أنّ العلم قد كشف الأستار عن وجوه العلل المادّية، فصار الاعتقاد بوجود الصانع المدبر عنده أمراً باطلاً.
ونحن نصافق المادّي في إنكار الصانع بهذا المعنى الذي نسبه إلى الإلهيين، لكنّهم لا يريدون من الصانع، العلّة القائمة مكان العلل المجهولة المادّية بل يعترفون بالعلل الطبيعية، والأسباب المادّية وإنّ اللّه قد خلق لكلّ شيء سبباً، لا مناص في جوده عن وجوده وإنّما جرّهم إلى الاعتقاد بوجود الصانع، مشاهدة النظام البديع والصنع الغريب، في جوّ المادّة ومحيطها،