أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٥ - الشرق وأدواره الثلاثة
الشرق وأدوارها الثلاثة:
مضت على الشرق أدوار ثلاثة مختلفة: دور العلم والتفكير، وذلك قبل أن يطلع في اليونان كوكب العلم، ودور التباعد عن العلوم والمعارف بعد ما كان مبتكرها، وكانت الأحوال على هذه حتى ظهرت طلائع التمدّن الإسلامي بظهور نور الإسلام وأعاد ذلك النور في عواصم المسلمين وبلدانهم بقوّة حججه، وصلابة منطقه، فعمرت المكتبات الإسلامية بألوف من الكتب وغصّت دور العلماء وحلقات التدريس بطلاّب الفضيلة وروّاد العلم.
هذه دراسات تاريخية توقفك (إذا تحرّيت الصدق في المقال والعدالة في القضاء) على عظمة الشرق وعظمة معارفه في الدورتين، وانّ المعارف والعلوم والفلسفة التي كانت دارجة بين الشرقيين قبل عصور الأغارقة في اليونان، قد لعبت دوراً عظيماً في المدنية اليونانية وعلومها وأفكارها.
والتاريخ يحدّثنا ويقرأ علينا فصلاً مبسوطاً عن الأُمّة الإسلامية فيما تحمّلوها من الأتعاب في تكميل ما حصلوا عليه من التراث اليوناني وأخذوه من تلك الأُمّة البائدة وتهذيب ما وصل إليهم منهم، من زوائد الكلام وفضول المقال وبذلك صار الشرقيون عمداً للعلم في كلتا الدورتين: الأُولى والثالثة.
وقد استمرّ البحث والتنقيب حول المسائل الفلسفية الكلية، والعلوم الطبيعية إلى أجيال تربوا إلى عشرات القرون.
هذه نواحي فنية من تاريخ الفلسفة، أشرنا إليها لتكون كنموذج يعرف القارئ الكريم به الحقيقة في تلك العصور الماضية، غير أنّ بسط المقال فيها يحتاج إلى تأليف كتاب مفرد خارج عمّـا يهمّنا فعلاً.