أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٧٢ - النكتة الثانية
منها سوى الأحكام التي تعرض المادّة وتختصّ بها، فلو حاول العالم الطبيعي الحكم حول أمر غير مادّي بالنفي والإثبات بالأداة التي استخدمها في العلوم المادّية لخرج عن محور بحثه، إذ الموضوع الذي نصبه أمام عينه ويسوغ له البحث عن أحكامه وأعراضه بالسلب والإيجاب إنّما هو المادّة التي لا تنفك عن الزمان والمكان، ومعه كيف يسوغ البحث عن أمر مجرّد عن الزمان والمكان، مجرّد عن المادّة وآثارها أو القضاء فيه بالنفي والإثبات بالبراهين والتجاريب التي تناسب العلوم المادّية دون المجرّدة.
والحاصل: أنّ المادّي لا بد أن يتكلّم فيما يخصّ بموضوعه، أعني: المادّة، ويعرف شؤونها وعوارضها وأحكامها بالسنن العلمية التي تناسب العلوم المادّية، وأمّا البحث والقضاء حول أمر غير مادّي فممّـا تقصـر عنه أبحاثه، نعم للفلسفة بمعناها الحقيقي ذلك المجال الوسيع، لأنّ الموضوع الذي جعله الفيلسوف نصب عينيه، إنّما هو الموجود بما هو موجود، من غير تقييد بالقيود المادّية والطبيعية، فله المجال الفسيح في هذه الميادين والمعارك،
= له النفي المطلق والإثبات المطلق.
مثلاً: الطبيب الذي قرأ فصولاً من التشريح وأخذ يبحث ويفحص عن جسم الإنسان بأجهزته، لو لم يتوفّق لمشاهدة الروح بأجهزته العلمية ولم تهد أُصوله إلى الإيمان بوجودها فليس له نفي وجود الروح من أديم الوجود، بل له حق النفي حسب ظروفه وحدود علمه.
وإن شئت قلت: ليس له إلاّ ادّعاء عدم الوجدان، وانّ آلاته وأدواته العلمية لم ترشده إلى وجود روح مجرّدة، وأما ادّعاء انّه ليس عن الروح عين ولا أثر في عالم الوجود، فليس له ذلك التقوّل.
ولكن الفلسفة لها القضاء المطلق في نفي شيء على إطلاقه وإثباته كذلك. فإنّها تبحث عن الوجود المطلق، وليس لبحثه حد حتى يضيق المجال لأحد، وليس ما اتّخذ من الأُصول والقواعد مقصوراً على موجود دون آخر، فإذا نفى وجود شيء فمآله إلى عدم الوجود في عامّة الظروف والأمكنة.