أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٨ - حول الفلسفة الإسلامية في القرن الحادي عشر
الاشراقيين، والعرفاء الشامخين، فجاء مؤسّساً بما اخترعه من المنهج الجديد، وهذا المسلك الحديث مع ما فيه من التجديد والابتكار رهين تلك الجهود التي تحمّلها روّاد الفلسفة الإسلامية وأساتذتها، ومن تقدّمهم من فلاسفة الاغريق، وأعانه في تأسيسه ذوقه المستقيم، وعارضته القوية.
ومن أياديه على أبناء الفلسفة أنّه أتى بنظام بديع في المسائل الفلسفية، فقدّم ما حقّه التقديم وأخّر ما حقّه التأخير فأصبحت المسائل الفلسفية، كالمسائل الرياضية يستمد الثاني من ماضيه.
نهض بهذا العبء الثقيل ولا نصير له سوى براعته وهمّته القعساء، وعقل كبير، وقلب بصير، جاء مهبطاً للعلوم والمعارف وصار بذلك بطلاً مقداماً في تلك الميادين.
ولقد توفّق ـ رحمه اللّه ـ كل التوفيق في الجمع بين الآراء الباقية من أفلاطون (مؤسّس مدرسة الاشراق) وتلميذه الجليل أرسطو (مبتكر منهج المشاء) وكان الأوّل من المعلمين داعياً إلى تهذيب النفس وتصفية الباطن، قائلاً بأنّ الطريق الوحيد إلى اقتناص شوارد الحقائق واكتشاف دقائق الكون هو هذا المنهج ليس غير، وكان الثاني منهما مخالفاً له في أساس منهجه، قائلاً بأنّ الدليل للوصول إلى الحقائق المكنونة، والدقائق المجهولة، هو التفكير والاستدلال والبرهنة الصحيحة، فكان يخطو على ضوء البرهان العقلي من مقدمة إلى أُخرى، إلى أن يصل إلى الحقيقة التي يتوخّاها بسيره النظري.
ولم يزل التشاجر قائماً على ساقيه بين العلمين وأتباعهما في اليونان والاسكندرية وأوربا في القرون الوسطى، إلى أن سرى هذا الاختلاف إلى الفلاسفة الإسلاميين وهم بين مشائي لا يقيم للاشراق وزناً، واشراقي لا يجنح إلى فلسفة المشاء.