أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٩ - مساهمة الشرق والغرب
كان أو غيره.
ومن المؤسف أنّ تلك الخواطر الطيبة والأُمنية الكبرى لم تزل خاملة في زوايا الخواطر ومكنونة في الصدور مع سائر الأماني، فلم أجد فيما بأيدينا من الكتب والرسائل الفلسفية، ما يسدّ هذا الفراغ أو يشير إلى هذه المحاولة أو يبشّـر بميلادها، بل لم نزل نجد كل ما يتألّف في هذه العصور بين شارح للآراء المتقدّمة الواصلة إلينا من الأغارقة، شرحاً يحاول أن يوفيه بحق البيان في عامّة أبوابها حتى في طبيعيّها وفلكيّها التي أصبحت قواعدها في العصر الحاضر كحديث أمس الدابر، وقد شطب قلم العلم عليها، وصار التحدّث عنها أشبه شيء بقصص القصّاصين، وبين ناقل آراء علماء الغرب في الأبحاث الفلسفية بلا تصرّف في شيء منها. غير أنّك لا تجد الباحثين عن الحقائق العقلية والمعارف التكوينية على وتيرة واحدة، بل تجدهم على نزعات مختلفة، فهم بين عاكف على الفلسفة الإغريقية مقدّساً آراءها عن النقص والشين، نافياً كلّ ما يحدث في العالم من عجائب الأنظار وغرائب الأفكار، وبين غال في المناهج الحديثة في الفلسفة والمعارف.
وهنا ثلّة قليلة هم طلاّب الحق وعشّاق الفضيلة، أينما وجدوها، لا يرون الحداثة فضيلة، ولا يعدّون القدمة عيباً، ولذلك ما زالت ضمائرهم عالقة على تحقيق تلك الأُمنية، أي أُمنية تأسيس قواعد جديدة تبتنى عليها ثقافة إسلامية، وتشير إلى الآراء الفلسفية الصحيحة الإسلامية وما ركن عليه فلاسفة الغرب، حتى تكون تلك الخطة صلة بين القديم والجديد.
ولا شك أنّ أمام هذه الأُمنية عقبات، ولا يتوصّل إليها بوقت يسير وجهود قليلة، وانّ تحقّق هذه الأُمنية يحتاج إلى جهود متواصلة، فإنّ الفصل بين المنهجين في تحليل المسائل وإقامة البرهان كثير جداً، فإنّ الفلسفة