أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٨٩ - الأُمور التي تستنتج من هذا البيان
الثالث: أنّ المفاهيم التصورية عامتها من ولائد الحس، وهي إمّا أن تؤخذ من الواقعية الخارجية، بواسطة الحواس كالصور الجزئية، أو تنتهي إليها أخيراً كالمفهوم العام (الإنسان) فإنّ الحس وإن كان لا ينال الكلّـي من الخارج بنعت الكلّية، إلاّ أنّه يناله منه بالوسائط، فإنّ الصورة المحسوسة الواردة إلى الذهن من الخارج، تستعقب حدوث صورة خيالية وعند ذاك يستطيع الذهن أن ينتزع مفهوماً عاماً كلياً منها بتجريد وتقشير، ولأجل ذلك ينتهي إدراك الكلّـي إلى الحس أيضاً.
وإن شئت فاستوضح المقال من المثال التالي:
إنّ القوة اللامسة المبثوثة في الأعضاء تحس حرارة جزئية متشخصة بالزمان والمكان باقية في العضو مدة معينة زائلة عنه بعد مضيها، وهذه هي الصورة المحسوسة، وتورث تلك صورة خيالية منها، تشارك المحسوسة في كونهما من ماهية واحدة، ولكل منهما صورة جزئية متشخصة، وتفارقهما في أنّ للخيالية ثباتاً بل تجرداً خيالياً، ولذلك يستطيع الإنسان بإحضار ما أحسّه من الحرارة فيما مضى بعد لأي من الدهر وحين من الزمن.
ثمّ إنّ القوة العقلائية التي لها قوة التجريد والتقشير، تستطيع وتقدر على أن تُجرّد الخيالية من كافة العوارض واللواحق، بحيث لا يبقى بعد التجريد شيء غير كونه مفهوم الحرارة التي هي عنوان عام يصدق على الكثير وهي مفهوم عام أو صورة عقلية لها، قابلة للصدق على كثير لما أنّها عنوان عام لكافة مصاديقها، منزّهة عن وصمة التغيّـر والتبدّل، فاقدة كل ما يعد عوارض وتشخصات.