أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٤٥ - مبدأ سلطة المادّيين على العقول
وبينما الناس على هذا الوضع يكاد ينهار صرح عقائدهم فإذا بحادث جلل حدث في العلوم الطبيعية عام ١٨٥٩م، فقضى على البقية الباقية، ألا وهو مذهب «دارون» الذي جاء بنظرية حديثة في تحليل وجود الأنواع الحيّة وفسّـره بناموس الانتخاب الطبيعي، فكان لظهوره أثراً عميقاً في تزعزع المذهب الإلهي وبحدوثه قطعت الرابطة القديمة بين المادّيين والإلهيين، فتفرّدت المادّية بالسلطان وبلغ الغرور العلمي أقصى ما يمكن أن يبلغه.
أجل لم يكن «دارون» مادّياً في عقائده وإن استفاد منه المادّيون لتحكيم مبادئهم. قال الدكتور شبلي شميل في مقدمة كتابه (فلسفة النشوء والارتقاء): إنّ نظرية التطوّر في الحيوانات الحيّة ليست إلاّ تحليلاً علمياً عند «دارون» لا فلسفياً، ولم يكن الغرض منه إلاّ تحليل تلك التطوّرات من طريق العلم دون الفلسفة وإن جعلها بعض أصحاب الفلسفة المادّية أساساً لبنائها وسنداً لصحّتها، ولكن «دارون» مع أنّه المؤسس لمذهب التطوّر لم يتوفّق لاستنتاج عامّة ما يترتّب عليه من النتائج.
وينقل عن «دارون» هذه الجملة: إنّ الموجودات الحيّة كلّها منقادة بنظام خاص ونواميس ميكانيكية، وانّ الأنواع كلّها مشتقّة من أصل واحد، وهذا الأصل أوّل موجود حيّ هبط إلى دار الوجود وقد نفخ فيه الخالق روح الحياة.
وهذا تصريح من الرجل باعتقاده بالمبدأ الحي الذي منه يستمد الموجودات، وأنّ ظهور الحياة في النوع الأوّل كان مستنداً إلى خالق أوجدها ثم تنوّعت الحياة والأنواع حسب الانتخاب الطبيعي.
وفي أواسط هذا القرن (التاسع عشر) بلغ الغرور العلمي للمادّيين إلى حدّ تخيّلوا أنّهم قد حلّوا طلاسم الطبيعة وفكّوا معميات الحقيقة، وكشفوا