أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٢٣ - النكتة الثالثة
شاسعاً، فهو وان كان يتطلّب العلم دائماً غير انّه لا تمهله العراقيل، فتصدّه عن الحق وهو يريد أن يندفع إلى ساحل النجاة، غير أنّه يندفع إلى اللجج الغامرة من الجهل.
هذا منشأ رأيه، ودونك تذكاراً قبل بيان دوائه: عزب عن هذا المشتبه الشاك، أنّ له وراء ذلك علوماً ضرورية وفطريات واضحة لا يرضى برفضها وجداناً، مهما تنكَّب عن طريق المفكّرين، ورفض دعوتهم فإنّه مع هذا الشك والترديد، يأكل بضرورة إذا جاع، ويشرب إذا ظمأ، لا يشبعه خياله ولا يرويه تخيّله.
فهذا الشاك المشتبه، لو تجرّد عن كلّ النزعات والتعصّبات، يجد في نفسه علوماً واضحة، وتفكيرات صحيحة لا يشك فيها طول حياته غير أنّه لأجل ما أوضحنا داءه أضرب عن الجميع وأوغل في الخيال ، هذا حال المشتبه.
هلمّ معي نحاسب المكابر ونحلّل داءه على ضوء الإنصاف والخلو عن النزعات ونضرب ما يتوخّاه على منصة التحقيق، فهذا الرجل بلا شك رأى أنّ الاعتراف بالحقائق يصدّه عن الفوضى في ميادين الحياة، بل يقيّده بأُصول أخلاقية واجتماعية، فراح يدسّ السم في الدسم، يشطب على الحقائق والعلوم قلم البطلان لغاية الوصول إلى الهرج والمرج، فإنّ الاعتراف بأصل واحد، يصدّه عن العيش بلا شرط، والتحرّر بلا قيد فاختار الإنكار والمكابرة حتى يتحرّر عن الأُصول والقيود، ويوجد الفوضى في المجتمع البشري.
هذا داؤه، وأمّا دواء الطائفتين، فهو يختلف حسب اختلاف الداء وتنوّعه، بل النوع الواحد يختلف دواؤه حسب رسوخ الداء وعدمه فالمشتبه الذي لا يكابر تجاه فهمه وعلمه، ويعترف بالحق إذا عرفه تختلف كيفية