أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٥١ - هل الفلسفة المادّية تسير بسير العلوم
أجل إنّ الفلسفة المادّية ظهر سلطانها يوم ظهور بعض الحقائق الطبيعية، غير أنّ هذا التقارن ليس لأجل كونها من نتائج العلوم، بل الوجه هو ما يلي:
إنّ القرن السادس عشر وما بعده من القرون كان زمن ظهور باكورة الآراء في العلوم الطبيعية والفلكية، فقد أبطل بعض المسلّمات في القرون الماضية، وقدّم العلماء فروضاً علمية أُخرى، من كروية الأرض وكونها كوكباً يدور حول مركزه، وغير ذلك ممّا يبطل أساس العلوم الطبيعية والفلكية الموروثة من اليونان.
تلك المكتشفات التي كانت لا تقف عند حد، قد كشفت اللثام عن الظنّيات التي كان الناس يتنافسون على تعلّمها، وأصبح الناس يرون الأُصول التي كانت ذات قاعدة، قد قامت مقامها قواعد أُخرى تناقضها وتضادها، فتخيّلوا بعد هذا التحوّل أنّ العلم والفلسفة كانا في القرون الخالية في دور من الفوضى.
والتطور العلمي ـ مع أنّه كان في حريم العلوم الطبيعية ـ ولكن أودع في القلوب شكوكاً في عامة المسائل حتى فيما لا يمس بالعلوم كالأُصول الاعتقادية، فتخيّلوا أنّهم كانوا مخدوعين، وطفقوا يتساءلون فيقول بعضهم لبعض: إنّه إذا كانت الأُصول المكونة في المعارف الطبيعية فروضاً أدبية تحجب تحت غشائها الجهل، فما الدليل على أنّ العقائد الدينية والعوالم الروحانية التي يخدمها البشر ألوف السنوات ليست كذلك؟
وبالجملة: أورث سير العلم والتحول في العلوم شكوكاً وأغرس شبهاً مازالت تخطر في القلوب وأوجب تشتتاً في الأفكار، وصار الإنسان يشك في كل شيء حتى في عقائده الواضحة وأُصول دينه التي لا مساس لها بالمادة.