أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٥٤ - هل الفلسفة المادّية تسير بسير العلوم
شأواً بعيداً، ولكن البيئات النصرانية لم تستطع أن تتحفّظ بها، وصارت بعد الانتشار بينهم محكومة بالفناء والاندثار، حتى قام رجال الكنائس يكافحونها بكل قوّة غير ما يرجع إلى لاهوتية المسيح».
نعم قد نهض في العصور المتأخّرة رجال كبار من أصحاب التفكير، فأذاعوا الفلسفة الإلهية ورفضوا الإلحاد نظراء «ديكارت» ومن لفّ لفّه، ولكن مع الأسف لم يستطع أحد منهم أن ينقّح مسائلها ويوضح أُصولها ويرد فروعها إلى مبادئها حتى يلتجئ إليه كل لائذ، بل قصُـرَ وتقاصر شأوهم عن تشييد ذلك مع الاعتراف لهم بكل فضل وفضيلة.
وقد عرفت أنّ الفلسفة الإلهية قد بلغت في عصور المسلمين شأواً بعيداً، ولو كانت تلك الفلسفة (المشيّدة القواعد المحرّرة المسائل) منتشرة بين أبناء الغرب لما ظهر ما ظهر من المسالك المتناقضة والمذاهب المتبدّدة التي يقضي الوجدان السليم ببطلانها، ولو كانت الفلسفة الإسلامية دارجة ليرجع إليها المادي في شبهاته وشكوكه والإلهي في تقويم عقائده وتحكيم مبانيه، لما ظهر سلطان المادي في البيئات العلمية، ولما تسنّى للسوفسطائي أن يبث تلك الدعاوي الفارغة والأساطير المكذوبة حينما قضى الدهر على أسلافهم بالفناء والهلاك، فجاء أخلافهم بعد لأي من الدهر يقتفون آثار آبائهم وأجدادهم البالية، ولما تمكّن المادي من أن يرفع عقيرته عاقصاً قرنيه مملوءاً بالكبر والنخوة يرمي الإلهيين بالجهل والخرافة.
لقد استقصى هذا الكتاب الذي بين يديك النقاط الحسّاسة في الفلسفة المادية ونقدها بأحسن أسلوب وفنّدها بأدق وجه، ولعلّ القارئ الكريم ربّما يعترض على هذا التبسّط الذي صار الشغل الشاغل فيه مع أنّه لا يحتاج إلى هذا التفصيل، غير أنّ ذكر معظم نقاط الفلسفة المادّية ليس