تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٢٢ - ٩٨٠٣ جعفر بن أبي طالب عبد مناف ابن عبد المطلب بن هاشم ، الطيار ، ابن عم رسول الله
فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقال : ما ذا تقولون؟ فقالوا : وما ذا نقول! نقول والله ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا ، وما جاء به نبينا ٦ كائن من ذلك ما كان. فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب ، فقال له النجاشي : ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية فما هذا الدين؟ فقال جعفر : أيها الملك كنا قوما على الشرك نعبد الأوثان ونأكل الميتة ، ونسيء الجوار ، وتستحلّ المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها ، لا نحلّ شيئا ولا نحرّمه ، فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته ، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ، ونصل الرحم ، ونحسن الجوار ، ونصلّي لله تعالى ، ونصوم له ، ولا نعبد غيره. قال : فقال : هل معك شيء مما جاء به؟ وقد دعا أساقفته [١] فأمرهم فنشروا المصاحف حوله ، فقال له جعفر : نعم. فقال : هلم فاتل عليّ ما جاء به. فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) [سورة مريم ، الآية : ١] فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. ثم قال : إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة [٢] التي جاء بها موسى ؛ انطلقوا راشدين [٣] ، لا والله لا أردهم عليهم [٤] ، ولا أنعمكم عينا. فخرجنا من عنده ، وكان أتقى الرجلين فينا عبد الله بن أبي ربيعة. فقال عمرو ابن العاص : والله لآتينه [٥] غدا بما استأصل به خضراءهم [٦] ، فلأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد ، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة : لا تفعل ، فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحما ولهم حقا ، فقال : والله لأفعلن. فلما كان الغد دخل عليه فقال : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عنه ، فبعث إليهم ولم ينزل بنا مثلها. فقال بعضنا لبعض : ما ذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم عنه؟ فقال : نقول والله الذي قاله الله تعالى ، والذي أمرنا به نبينا ٦ أن نقول فيه ؛ فدخلوا عليه وعنده بطارقته ، فقال : ما
[١] الأساقفة علماء النصارى الذين يقيمون لهم دينهم ، الواحد أسقف ، وقد يقال بتشديد الفاء.
[٢] المشكاة : جاء في اللسان : وفي حديث النجاشي : إنما يخرج من مشكاة واحدة ، المشكاة : الكوة غير النافذة.
وقيل : هي الحديدة التي يعلق عليها القنديل ، يريد أن القرآن والإنجيل كلام الله تعالى ، وأنهما من شيء واحد.
[٣] يخاطب فيه المسلمين.
[٤] أي على المشركين.
[٥] سيرة ابن إسحاق : لآتينه.
[٦] خضراءهم يعني شجرتهم التي منها تفرعوا.