تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٦٤ - ٩٨٢٧ جعفر المتوكل بن محمد المعتصم ابن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس
مولى مغرى بالأدب ، وكانت قد أخذت عنه وروت الأشعار ، وكان المتوكل بها معجبا ، فغضب عليها ومنع جواري القصر من كلامها ، فكانت في حجرتها لا يكلمها أحد أياما ، فرأته في المنام كأنه قد صالحها. قال علي : فلما أصبح دخلت عليه فقال : يا علي ، أشعرت أنّي رأيت محبوبة في منامي كأني قد صالحتها وصالحتني! فقلت : خيرا يا أمير المؤمنين ، إذا يقرّ الله عينك ، ويسرّك ، فو الله إنا لفيما نحن فيه من حديثها ، إذ جاءت وصيفة لأمير المؤمنين فقالت : يا سيدي ، سمعت صوت عود من حجرة محبوبة ، فقال أمير المؤمنين : قم بنا يا علي ننظر ما هذا الأمر! فنهضنا حتى أتينا حجرتها ، فإذا هي تضرب بالعود وتقول :
| أدور في القصر لا أرى أحدا | أشكو إليه ولا يكلّمني | |
| حتى كأنّي أتيت [١] معصية | ليست لها توبة تخلّصني | |
| فهل شفيع لنا [٢] إلى ملك | قد رآني [٣] في الكرى فصالحني | |
| حتّى إذا ما الصّباح لاح لنا | عاد إلى هجره فصارمني |
قال : فصاح أمير المؤمنين وصحت معه ، فسمعت فتلقت أمير المؤمنين ، وأكبّت على رجليه تقبلهما فقالت : يا سيدي ، رأيتك في ليلتي هذه كأنك قد صالحتني. فقال : وأنا والله قد رأيتك ، فردّها إلى مرتبتها كأحسن ما كانت.
فلما كان من أمر المتوكل ما كان [٤] ، تفرقن وصرن إلى القوّاد ، ونسين أمير المؤمنين ، فصارت محبوبة إلى وصيف الكبير ، فما كان لباسها إلا البياض ، وكانت تنتحب وتشهق ، إلى أن جلس وصيف يوما للشرب ، وجلس جواري المتوكل يغنينه ، فما بقيت منهن واحدة إلّا تغنت غيرها. فقالت : إن رأى الأمير أن يعفيني فأبى. فقال لها الجواري : لو كان في الحزن فرج لحزنا معك. وجيء بالعود فوضع في حجرها فأنشأت تقول :
| أيّ عيش يطيب [٥] لي | لا أرى فيه جعفرا |
[١] الأغاني : ركبت.
[٢] الأغاني : فهل لنا شافع.
[٣] الأغاني وتاريخ الخلفاء : زارني.
[٤] يعني لما قتل ، والخبر والشعر في الأغاني ٢٢ / ٢٠١ ـ ٢٠٢ وتاريخ الخلفاء ص ٤١١ وسير الأعلام ١٢ / ٤٠ ـ ٤١.
[٥] تاريخ الخلفاء وسير الأعلام : يلذ.