تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٨٣ - ٧٩٨٩ ـ وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن حمحمة ، وقيل ابن فراس بن سفيان ابن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة أبو سفيان الرؤاسي الكوفي
كاذبا فما ينبغي أن تولّي القضاء كذابا ، فقال : اخرج ، فخرجت ، ودخل ابن إدريس ، وكأنّ هارون قد وسم له من ابن إدريس وسم ـ يعني ـ خشونة [١] جانبه ، فدخل ، فسمعنا صوت ركبتيه على الأرض حين برك ، وما سمعنا يسلّم إلّا سلاما خفيا ، فقال له هارون : أتدري لم دعوتك؟ قال : لا ، قال : إن أهل بلدك طلبوا منّي قاضيا ، وإنهم سمّوك فيمن سمّوا ، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة ، فخذ عهدك وامض ، فقال له ابن إدريس : ليس أصلح للقضاء ، فنكث هارون بإصبعه وقال له : وددت أنّي لم أكن رأيتك [٢] ، قال له ابن إدريس : وأنا وددت أني لم أكن رأيتك ، فخرج ، ثم دخل حفص بن غياث ، فقال له كما قال لنا ، فقبل عهده وخرج ، فأتانا خادم معه ثلاثة أكياس في كلّ كيس خمسة آلاف دينار ، فقال لي : أمير المؤمنين يقرئكم السلام ويقول لكم : قد لزمتكم في شخوصكم مئونة فاستعينوا بهذه في سفركم ، قال وكيع : فقلت له : أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له : قد وقعت مني بحيث يحبّ أمير المؤمنين وأنا عنها مستغن ، وفي رعية أمير المؤمنين من هو أحوج إليها منّي ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يصرفها إلى من أحب ، وأما ابن إدريس فصاح به : مرّ من هاهنا وقبلها حفص ، وخرجت الرقعة إلى ابن إدريس من بيننا ، عافانا الله وإيّاك سألناك أن تدخل في أعمالنا فلم تفعل ، ووصلناك من أموالنا فلم تقبل ، فإذا جاءك ابني المأمون فحدّثه إن شاء الله ، فقال للرسول : إذا جاءنا مع الجماعة حدّثناه إن شاء الله ، ثم مضينا فلما صرنا إلى الياسرية [٣] حضرت الصلاة ، فنزلنا نتوضأ للصلاة ، قال وكيع : فنظرت إلى شرطي محموم قائم [٤] في الشمس ، عليه سواده فطرحت كسائي عليه ، وقلت : يدفأ إلى أن أتوضأ ، فجاء ابن إدريس فاستلبه ثم قال لي : رحمته لا رحمك الله في الدنيا أحد يرحم مثل ذا؟ ثم التفت إلى حفص فقال له : يا حفص ، قد علمت حين دخلت إلى سوق أسد [٥] ، فخضبت لحيتك ودخلت الحمام أنك ستلي القضاء ، لا والله لا كلّمتك حتى تموت ، قال : فما كلّمه حتى مات.
[١] بالأصل وم : حشرته ، تصحيف ، والمثبت عن «ز» ، والجليس الصالح.
[٢] كذا بالأصل وم و «ز» ، وفي الجليس الصالح : مثلتك.
[٣] الياسرية : منسوبة إلى ياسر ، اسم رجل ، وهي قرية كبيرة على ضفة نهر عيسى بينها وبين بغداد ميلان ، راجع معجم البلدان.
[٤] كذا بالأصل وم و «ز» ، وفي الجليس الصالح : نائم.
[٥] سوق أسد ، بالكوفة ، وهو ينسب إلى أسد بن عبد الله القسري أخي خالد. راجع معجم البلدان.