تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٨٣ - ٨٠٧٦ ـ وهب بن منبه بن كامل بن سيج أبو عبد الله الأبناوي الذماري الصنعاني اليماني
أقسم بالله ما كانت الملائكة ليقدروا على ذلك ولا ليفعلوا حتى أمروا به ، لأن الله قال : (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)[١] وإنه أثبت هذه الآية في سورة (حم عسق) وفسّرت في (حم)[٢] الكبرى ، قال : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)[٣] الآيات ، ألا ترى يا ذا خولان أنّي قد أدركت صدر الإسلام؟ فو الله ما كانت للخوارج جماعة قط إلّا فرّقها الله على شرّ حالاتهم ، وما أظهر أحد منهم رأيه قط إلّا ضرب الله عنقه ، وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج ، ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم لفسدت الأرض ، وقطعت السبل ، وقطع الحج من بيت الله الحرام ، وإذا لعاد أمر الإسلام جاهلية ، حتى يعود الناس يستغيثون [٤] برءوس الجبال كما كانوا في الجاهلية ، وإذا لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلا ليس منهم رجل إلّا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة ، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضا ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح الرجل المؤمن خائفا على نفسه ، ودينه ، ودمه ، وأهله ، وماله ، لا يدري أين يسلك ، أو مع من يكون ، غير أنّ الله بحكمه ، وعلمه ، ورحمته نظر لهذه الأمة ، فأحسن النظر لهم ، فجمعهم وألّف بين قلوبهم على رجل واحد ، ليس من الخوارج ، فحقن الله به دماءهم ، وستر به عوراتهم وعورات ذراريهم ، وجمع به فرقتهم ، وأمن به سبلهم [٥] ، وقاتل به عن بيضة المسلمين عدوّهم ، وأقام به حدودهم ، وأنصف به مظلومهم ، وجاهد بظالمهم رحمة من الله رحمهم بها ، فقال الله تعالى في كتابه : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) إلى (الْعالَمِينَ)[٦] وقال : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً) حتى بلغ (تَهْتَدُونَ)[٧] وقال الله تعالى : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا) إلى (الْأَشْهادُ)[٨] فأين هم من هذه الآية؟ فلو كانوا مؤمنين نصروا ، وقال : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ) إلى (لَهُمُ الْغالِبُونَ)[٩] فلو كانوا جند الله غلبوا ولو مرة واحدة في الإسلام ، وقال الله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ) حتى بلغ (نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)[١٠] فلو كانوا مؤمنين نصروا ،
[١] سورة الأنبياء ، الآية : ٢٧.
[٢] سورة غافر ، الآية : ١.
[٣] سورة غافر ، الآية : ٧.
[٤] كذا بالأصل وم ، وفي تهذيب الكمال : يستعينون.
[٥] تحرفت بالأصل وم إلى : سلبهم ، والمثبت عن تهذيب الكمال.
[٦] سورة البقرة ، الآية : ٢٥١.
[٧] سورة آل عمران ، الآية : ١٠٣.
[٨] سورة غافر ، الآية : ٥١.
[٩] سورة الصافات الآيات ١٧١ إلى ١٧٣.
[١٠] سورة الروم ، الآية : ٤٧.