تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٨٢ - ٨٠٧٦ ـ وهب بن منبه بن كامل بن سيج أبو عبد الله الأبناوي الذماري الصنعاني اليماني
الكلام ، فقال لي وهب : عبّر عن شيخك ، فقلت : نعم يا أبا عبد الله ، إنّ ذا خولان من أهل القرآن وأهل الصلاح فيما علمنا ، والله أعلم بسريرته ، فأخبرني أنه عرض له نفر من أهل صنعاء من أهل حروراء ، فقالوا له : زكاتك التي تؤديها إلى الأمراء لا تجزي عنك فيما بينك وبين الله ، لأنهم لا يضعونها في مواضعها ، فأدّها إلينا ، فإنّا نضعها في مواضعها ، نقسمها في فقراء المسلمين ، ونقيم الحدود ، ورأيت أنّ كلامك يا أبا عبد الله أشفى له من كلامي ، ولقد ذكره أنه يؤدي إليهم الثمرة للواحد مائة فرق [١] على رواية ، ويبعث بها مع رفيقه فقال له وهب : يا ذا خولان ، أتريد أن تكون بعد الكبر حروريا ، تشهد على من هو خير منك بالضلالة ، فما ذا أنت قائل لله غدا حين يقفك الله ، ومن شهدت عليه ، الله يشهد له بالإيمان ، وأنت تشهد عليه بالكفر ، الله يشهد له بالهدى وأنت تشهد عليه بالضلالة ، فأين تقع إذا خالف رأيك أمر الله وشهادتك شهادة الله ، أخبرني يا ذا خولان ، ما يقولون لك؟ فتكلم عند ذلك ذو خولان وقال لوهب : إنهم يأمروني أن لا أتصدق إلّا على من يرى رأيهم ، ولا أستغفر إلّا له ، فقال له وهب : صدقت ، هذه محنتهم الكاذبة ، فأما قولهم في الصدقة فإنه قد بلغني أن رسول الله ٦ ذكر أن امرأة من أهل اليمن دخلت النار في هرة [ربطتها][٢] فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض [٣] ، وإنسان ممن يعبد الله ويوحده ولا يشرك به شيئا أحبّ إلى الله من أن يطعمه من جوع أو هرة؟ والله يقول في كتابه : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ، إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ، إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً)[٤] يقول : يوما غضوبا على أهل معصيته ليغضب الله عليهم عسيرا ، (فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ)[٥] حتى بلغ : (وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً)[٦] ثم قال وهب : ما كاد تبارك وتعالى أن يفرغ من تعديد ما أعدّ الله لهم بذلك الطعام [٧] في الجنّة.
وأما قولهم لا تستغفر إلّا لمن رأى رأيهم ، أفهم خير من الملائكة؟ والله يقول في سورة (حم عسق)[٨](وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ)[٩] ، وأنا
[١] الفرق : مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع.
[٢] سقطت من الأصل وم ، واستدركت للإيضاح عن تهذيب الكمال.
[٣] خشاش الأرض : حشراتها ، والعصافير ، وما لا دماغ له من الحيوان.
[٤] سورة الإنسان ، الآيات ٨ إلى ١٠.
[٥] سورة الإنسان ، الآية : ١١.
[٦] سورة الإنسان ، الآية : ٢٢.
[٧] الأصل وم : الطعم ، والمثبت عن المختصر ، وفي تهذيب الكمال : النعيم.
[٨] سورة الشورى ، الآيتان ١ و ٢.
[٩] سورة الشورى ، الآية : ٥.