دراسة حول نهج البلاغة - السيد محمد حسين الجلالي - الصفحة ٧٣ - الشبهة العاشرة-طابع الصنعة
استعمالها في عصر متقدم بمعانيها اللغوية، بل ان المصطلحات لا تتحقق إلاّ مع سبق استعمالها في اللغة.
٤-أضف إلى ذلك: ان كلّ مؤلف يأخذ القلم بيده ليكتب لابد و ان ينظر إلى غاية تأليفه، و قد صرّح الرضي أنّ غايته هي جمع المختار من بليغ آثار الإمام ٧ من خطب و رسائل و حكم، فلم يكن هدفه الاسناد و لا بيان حال الرواة، بل دفعه إلى هذا الهدف ما اختص به من ذوق أدبي ساد عصره و محفله، و بالمقارنة إلى ما تيسّر من مصادره نجد أنّه قد اقتطع مقاطع من خطبة طويلة ارتجلها الإمام و اقتصر على ما رآه بليغا، و لم يذكر الخطبة بكاملها، لأنه لم يجد في غيرها من المقاطع التي اختارها الوصف الذي أراد. و هذا الاسلوب قد خفي على كثير من النقاد و المشككين.
و سيأتي في اسلوب الجمع في شرح الخطبة: أنّ الشريف الرضي كان يلتقط من كلام أمير المؤمنين خصوص الجمل و المقاطع التي يراها جديرة بأن تكون نهجا للبلاغة، دون غيرها من الجمل و المقاطع، فراجع. و الجهل باسلوب الرضي هذا أدّى إلى هذه الشبهة، فراجع.
و اكتفي بهذه الشبهة و حلولها لمن أنصف. و بالجملة: لم يستند هؤلاء في نقد نهج البلاغة سوى الظن و التخمين، و هذا لا يغني عن الحق شيئا، و كأنّ كل موارد الخلاف في العقيدة اصبحت شبهة حول نهج البلاغة، و قد أنصف ابن ابي الحديد المعتزلي بقوله:
«كثير من أرباب الهوى يقولون: إنّ كثيرا من نهج البلاغة كلام محدث، صنعه قوم من فصحاء الشيعة، و ربما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن و غيره، و هؤلاء قوم أعمت العصبيّة أعينهم، فضلّوا عن النهج الواضح و ركبوا بنيّات الطريق، ضلاله و قلة معرفة بأساليب الكلام-و بعد تفصيل قال: -لأنّا متى فتحنا هذا الباب، و سلّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو، لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول اللّه ٦ أبدا، و ساغ لطاعن أن يطعن و يقول: هذا الخبر منحول، و هذا الكلام مصنوع، و كذلك ما نقل عن أبي بكر و عمر من الكلام و الخطب و المواعظ و الأدب و غير ذلك، و كل أمر جعله هذا الطاعن مستندا له