دراسة حول نهج البلاغة - السيد محمد حسين الجلالي - الصفحة ٤٥ - من هو جامع نهج البلاغة؟
و نحن نقول: إنّ تهمة الرضي بالانتحال ساقطة لأمرين:
أولا: إنّ شخصية الرضي معروفة بالأمانة، كما ذكرته مصادر الأدب و التأريخ.
ثانيا: إنّ الذهبي، و هذه دعوى يجب أن تخضع للدراسة و النقد، و من الثابت في قواعد الجرح و التعديل أنّ ذلك مما لا يعبأ به، و أنّها حقا تهمة ظالمة لرجل و صفته المصادر بالورع و الشرف و الصراحة في تطبيق حكم اللّه.
و نكتفي بما نقله ابن عنبة (ت/٨٢٨ هـ-) من حادثتين تكشف عن مدى أمانة الشريف الرضي ننقلهما من لفظه من دون تعليق ليحكم القارىء الكريم بنفسه على هذه الاتهامات:
نقل ابن عنبة عن ابي اسحاق الصابي عن الوزير أبي محمد المهدي في الشريف الرضي قال: «و أما أخوه الرضي، فبلغني ذات يوم أنه ولد له غلام فأرسلت إليه بطبق فيه ألف دينار، فرده و قال: قد علم الوزير أني لا أقبل من أحد شيئا. فرددته إليه و قلت: إني إنما أرسلته للقوابل. فرده الثانية و قال: قد علم الوزير أنه لا تقبّل نساءنا غريبة. فرددته إليه و قلت: يفرّقه الشريف على ملازميه من طلاب العلم. فلما جاءه الطبق و حوله طلاب العلم قال: هاهم حضور فليأخذ كل أحد ما يريد. فقام رجل و أخذ دينارا فقرض من جانبه قطعة و أمسكها ورد الدينار إلى الطبق، فسأله الشريف عن ذلك فقال: احتجت إلى دهن السراج ليلة و لم يكن الخازن حاضرا فاقترضت من فلان البقال دهنا فأخذت هذه القطعة لأدفعها إليه عوض دهنه، و كان طلبة العلم الملازمون للشريف الرضي في دار قد اتخذها لهم سماها (دار العلم) و عيّن لهم جميع ما يحتاجون إليه، فلما سمع الرضي ذلك أمر في الحال بأن يتخذ للخزانة مفاتيح بعدد الطلبة و يدفع إلى كلّ منهم مفتاح ليأخذ ما يحتاج إليه و لا ينتظر خازنا يعطيه، و ردّ الطبق على هذه الصورة، فكيف لا أعظّم من هذا حاله؟» [١] .
[١] عمدة الطالب: ٢٠٩-٢١٠.