دراسة حول نهج البلاغة - السيد محمد حسين الجلالي - الصفحة ٢١ - الشريف الرضي (٣٥٩-٤٠٦ هـ-)
و أملّت أن أجري خفيفا إلى العلى # إذا شئتم أن تلحقوا فتخفّفوا
حلفت بربّ البدن تدمى نحورها # و بالنفر الأطوار لبّوا و عرّفوا
لأبتذلنّ النفس حتى أصونها # و غيري في قيد من الذلّ يرسف
فقد طالما ضيعت في العيش فرصة # و هل ينفع الملهوف ما يتلهّف
و إنّ قوافي الشعر ما لم أكن لها # مسفسفة فيها عتيق و مقرف
أنا الفارس الوثّاب في صهواتها # و كلّ مجيد جاء بعدي مردف
[١]
و لقد صدق ; و عاش عيشة العصامييّن من العظماء، حاملا رسالته الأدبية بأحسن وجه، فرضي من العيش ما يكون في أداء هذه الرسالة و خدمة القرآن الكريم و السنة النبوية و البلاغة العلوية في سلسلة مترابطة من البحوث التي أنارت الطريق للأجيال، فكان الفارس الوثاب الذي صان نفسه و جرى خفيا إلى العلى بخطوات سريعة.
و مواقفه في قول الحق و الالتزام بالمبادىء صريحة، ففي غاية الإختصار: «ان القادر باللّه العباسي كان في بلاده كاسمه، و كان قد ولّى الشريف نقابة النقباء، و ولّى أباه أمارة الحج و مع ذلك لمّا عمل المحضر المشهور لإنكار نسب الملوك الفاطميين بمصر و كلّف الحاضرين بالتوقيع، امتنع الشريف الرضي مستعظما انكار نسب ثابت، و لم يخش بطش الخليفة فيه» [٢] .
و يظهر انّ هذه الألقاب و المناصب التي قلّدته قيادة الخلافة العباسية كانت بدوافع سياسية لاحتواء الشريف الرضي من أن يوالي الخلافة الفاطمية التي كانت تناهض الخلافة العباسية من مقرّها بمصر، و كان لذلك الأثر على نشاط الشريف، و كان الشريف علي و عي كامل للاهداف فلم ينزلق عن مسيرته فرفض الهدايا و الصلات بأدب، و لم يشارك في إنكار نسب ثابت، غير متأثّر بالدعاية العباسية، بل أنشد من شعره ما يغيض الموقف العباسي.
و قد عاش الشريف الرضي في خلافة ثلاثة من العباسيين، هم: المطيع و الطائع
[١] ديوان الشريف الرضي ٢: ٢١.
[٢] غاية الاختصار: ٥٩.